في مواجهة تتبدل فيها الأدوار، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة يستخدمها المحتالون لخداع ضحاياهم، بل أصبح وسيلة لاستدراجهم وإبقائهم منشغلين بمحادثات طويلة، بينما يجمع معلومات قد تساعد في كشف أساليبهم وتعطيل عملياتهم قبل وصولهم إلى أشخاص حقيقيين.

هذا ما تعمل عليه شركة «أباتي» (Apate) الأسترالية، التي طورت منظومة من وكلاء الذكاء الاصطناعي يتظاهرون بأنهم ضحايا محتملون لعمليات الاحتيال. وبدلاً من الاكتفاء برصد المكالمات المشبوهة أو حظر أرقام الهواتف بعد اكتشافها، تتفاعل هذه الأنظمة مباشرة مع المحتالين عبر المكالمات الهاتفية والرسائل والبريد الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي.

وتعتمد الفكرة على إنشاء شخصيات افتراضية متعددة، تختلف في أعمارها المفترضة ولهجاتها وأساليب حديثها ولغاتها، حتى تبدو المحادثات طبيعية بما يكفي لإقناع الطرف الآخر بأنه يتعامل مع شخص حقيقي. وقد يواصل الروبوت طرح الأسئلة أو إظهار الحيرة أو التظاهر بعدم فهم المطلوب، بما يدفع المحتال إلى إطالة الحديث بدلاً من الانتقال إلى ضحية أخرى.

وبحسب تقرير نشره موقع «تك كرانش» تقول الشركة إن وكلاءها أجروا نحو 2.5 مليون محادثة مع محتالين، وأهدروا ما يعادل 17 عاماً من وقتهم التراكمي. ولا يقتصر الهدف على إضاعة الوقت؛ إذ تحاول الأنظمة جمع تفاصيل تساعد على فهم البنية التي تقف وراء عمليات الاحتيال.

معلومات تكشف أساليب المحتالين

خلال هذه التفاعلات، يمكن للمنظومة استخراج بيانات مثل أرقام الهواتف والحسابات المصرفية ومحافظ العملات المشفرة والمواقع الإلكترونية الضارة، إلى جانب أسماء المؤسسات التي ينتحل المحتالون صفتها والطرق التي يستخدمونها لاستدراج الضحايا.

وتُنقل هذه المعلومات إلى الجهات المتعاونة مع الشركة، ومنها مؤسسات مالية وشركات اتصالات وجهات حكومية، بهدف دعم أنظمة اكتشاف الاحتيال وتحليل الحملات المشبوهة وتطوير إجراءات الوقاية منها. كما يمكن للعملاء تكليف الوكلاء بمهام محددة، مثل محاولة كشف عنوان محفظة رقمية أو حساب مرتبط بنشاط احتيالي.

مكالمة طويلة أشعلت الفكرة

بدأت الفكرة عندما تلقى دالي كعفر، مؤسس الشركة ورئيسها التنفيذي، مكالمة احتيالية أثناء نزهة عائلية. وبدلاً من إنهاء الاتصال، قرر مجاراة المتصل، وتمكن من إبقائه على الخط نحو 44 دقيقة. عندها لاحظ أن المحتال أمضى وقتاً لم يكن يستطيع خلاله الاتصال بضحايا آخرين، وتساءل عما إذا كان بالإمكان أتمتة هذه الفكرة وتحويلها إلى وسيلة لجمع معلومات مفيدة.

ومن هنا تطورت الأبحاث المرتبطة بجامعة ماكواري في سيدني إلى شركة تستخدم الذكاء الاصطناعي لمواجهة الاحتيال على نطاق واسع.

وتقول أباتي إن عملاءها يشملون بنك الكومنولث الأسترالي وشركة الاتصالات «TPG»، فيما ذكرت الشركة أن بعض الجهات الشريكة استفادت من المعلومات التي تجمعها في تعطيل حملات احتيالية وتحسين إجراءات الحماية.

ومع ذلك، لا تعني هذه التقنية اختفاء الاحتيال أو ضمان استعادة الأموال المسروقة؛ ففاعليتها تعتمد على دقة اكتشاف المحتالين، وجودة المعلومات المستخرجة، وسرعة تحويلها إلى إجراءات عملية. كما تظل حماية البيانات والتحقق من عدم توجيه الأنظمة إلى أشخاص أبرياء من التحديات المهمة.

وبذلك، تمنح هذه التقنية المواجهة مع المحتالين بُعداً جديداً، إذ لا تكتفي بإحباط محاولاتهم، بل تستثمر تفاعلاتهم في جمع معلومات تكشف أساليبهم وتساعد على تتبع شبكاتهم، محوّلةً أدوات الخداع إلى مصدر للبيانات التي قد تسهم في الحد من انتشار الاحتيال.