نجح فريق من الفيزيائيين في استخدام ليزر فائق القوة لإنتاج حزمة اصطناعية وموجهة من الميونات، وهي جسيمات قادرة على اختراق مواد كثيفة، واستخدمها الباحثون لتكوين صورة لأجسام مخفية خلف جدار خرساني يبلغ سمكه نحو مترين، في تجربة قد تمهد لتطوير وسيلة جديدة لفحص الهياكل الكثيفة من دون الحاجة إلى تدميرها.

ولا يخترق الليزر الخرسانة بنفسه، بل يصنع الجسيمات التي تستطيع عبورها. ففي منشأة ELI-NP للفيزياء النووية في رومانيا، استخدم الباحثون نظام ليزر فائق القوة، تصل قدرته إلى نحو 10 بيتاواط، لإنتاج حزمة من الميونات القادرة على اختراق المواد الكثيفة وكشف ما يوجد خلفها.

بدأت التجربة بإطلاق نبضة ليزر لتسريع الإلكترونات إلى طاقات مرتفعة. وبعد ذلك اصطدمت حزمة الإلكترونات بهدف صلب من الرصاص، ما أدى إلى إنتاج إشعاع عالي الطاقة، ومنه تولدت أزواج من الميونات والجسيمات المضادة لها عبر ما يعرف بعملية Bethe-Heitler.

وتنتمي الميونات إلى عائلة الجسيمات نفسها التي ينتمي إليها الإلكترون، لكنها أثقل منه بنحو 207 مرات. وتمنحها كتلتها الكبيرة قدرة على اختراق كميات كبيرة من المادة قبل أن تفقد طاقتها، ولذلك تُستخدم الميونات منذ سنوات في تقنيات تعرف باسم التصوير بالميونات أو Muography.

والميونات ليست جسيمات يصنعها العلماء فقط؛ فهي تتولد طبيعيا عندما تصطدم الأشعة الكونية بالغلاف الجوي للأرض، وتصل أعداد منها إلى سطح الكوكب. وقد استُخدمت هذه الميونات الطبيعية في تصوير هياكل وتكوينات كثيفة، بما في ذلك البحث عن فراغات داخل الأهرامات ودراسة البنية الداخلية للجبال والبراكين.

لكن الاعتماد على الميونات القادمة من الأشعة الكونية يفرض قيودًا مهمة، إذ لا يمكن التحكم في اتجاهها أو مصدرها، كما أن تدفقها محدود، وهو ما قد يجعل عمليات التصوير تستغرق فترات طويلة. وهنا تكمن أهمية التجربة الجديدة: إنتاج حزمة ميونات اصطناعية يمكن توجيهها واستخدامها عند الحاجة.

وبعد إنتاج الحزمة، مررها الباحثون عبر نظام من مواد الحجب لتقليل الجسيمات غير المرغوبة، ثم عبر جدار خرساني يبلغ سمكه نحو مترين. وعلى الجانب الآخر، وُضعت أجهزة كشف محمولة لرصد الجسيمات التي تمكنت من عبور الخرسانة.

ولم تتوقف التجربة عند إثبات قدرة الميونات على اختراق الجدار؛ إذ وضع الباحثون مجموعة من كتل الرصاص في مسار الحزمة، ثم استخدموا الكاشف لرصد التغير في الميونات بعد مرورها عبر الأجسام. وكانت النتيجة صورة ثنائية الأبعاد أشبه بـ«ظل» للكتل، تطابقت مواقعها وأبعادها مع الشكل الحقيقي للأجسام.

وامتد الإعداد التجريبي لمسافة تصل إلى 42 مترا من مصدر الميونات، وأظهرت المقارنة بين القياسات الفعلية والمحاكاة الحاسوبية أن الإشارة المكتشفة كانت متوافقة مع ميونات اصطناعية بطاقة تصل إلى بضعة جيجا إلكترون فولت. كما أشار الباحثون إلى أن الصورة كانت مهيمنا عليها بالميونات الناتجة عن الليزر، وهو ما يمثل جوهر التجربة الجديدة.

ولا تشبه النتيجة صورة فوتوغرافية عادية؛ فالتقنية لا «ترى» الجسم كما تفعل الكاميرا، وإنما تستنتج وجوده من الطريقة التي تتغير بها حزمة الميونات أثناء مرورها عبر المادة. لذلك تظهر الأجسام في صورة أقرب إلى خريطة كثافة أو ظلال تكشف اختلافات المادة الموجودة في مسار الحزمة.

وتفتح هذه الطريقة الباب أمام تطبيقات مستقبلية في فحص الهياكل التي يصعب الوصول إلى داخلها، مثل المنشآت الخرسانية والبنى التحتية الضخمة، إضافة إلى بعض الاستخدامات الصناعية والعلمية التي تتطلب فحص أجسام كثيفة أو محجوبة بمواد سميكة.

وقد تكون إحدى أهم مزايا إنتاج الميونات بهذه الطريقة هي إمكانية الحصول عليها عند الطلب وباتجاه محدد، بدل الاعتماد على الميونات القادمة بصورة طبيعية من الغلاف الجوي. لكن التقنية لا تزال في مرحلة بحثية، كما أن دقة الصور الحالية محدودة، وستحتاج إلى تطوير مصادر الميونات وأجهزة الكشف قبل استخدامها في عمليات تصوير أكثر تعقيدًا.

ونشرت نتائج التجربة في دراسة على موقع "arXiv" العلمي، تناولت استخدام الميونات المولدة بالليزر في تصوير الأجسام الموجودة خلف المواد الكثيفة.