دبي- كليثم مراد البلوشي

يشهد البحث العلمي تحولاً جديداً مع انتقال الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة يستخدمها الباحث إلى «وكيل» قادر على تنفيذ سلسلة من المهام بصورة مستقلة، وهذا التحول يفتح الباب أمام خفض الوقت والتكلفة اللازمين لإنتاج المعرفة والابتكار، لكنه في الوقت نفسه يطرح اسئلة كثيرة حول مستقبل المهارات البشرية التي كانت أساس عالم البحث العلمي.

الإنسان والـ AI زملاء عمل

يشرح نيك لوماكيس، نائب الرئيس الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وتركيا لشركة كلاوديرا، أن اقتصاد الذكاء الاصطناعي الوكيل لا يهدد صعود وظائف الباحثين والمهنيين ذوي المهارات العالية، بل يسهم في إزالة التعقيدات التقنية وتولي المهام الروتينية المرتبطة بإدارة البيانات ففي بيئات البحث التقليدية، يستهلك العلماء وقتاً كبيراً في التعامل مع آليات تشغيل البرمجيات، وبناء عمليات التكامل يدوياً، وتنظيف مجموعات البيانات الأولية. ومن خلال الاستفادة من وكلاء الذكاء الاصطناعي، تستطيع المؤسسات نشر وكلاء أذكياء لأتمتة مهام استرجاع البيانات المتكررة ضمن نطاق آمن، مع الحفاظ الكامل على حوكمة البيانات واستمرارية مسارها وتتبّع مصدرها.

وأكد لوماكيس أن السلطة البشرية محور أساسي في المؤسسات الأكاديمية والشركات على حد سواء، يستطيع الذكاء الاصطناعي تنفيذ عمليات تحليلية متعددة المراحل، فيما يحتفظ الخبراء البشريون بالسيطرة الكاملة على كل قرار نهائي، وبذلك، يعمل هؤلاء الوكلاء كزملاء ضمن فرق العمل، تحت إشراف بشري مباشر كما تسهم الاستثمارات الكبيرة في رأس المال البشري في دعم القوى العاملة وتمكينها بصورة أكبر.

وتهدف الاستراتيجيات الوطنية إلى تدريب أكثر من 14 ألف مؤسسة لمساعدة فرق العمل على تبني الأنظمة القائمة على الذكاء الاصطناعي الوكيل واستخدامها بكفاءة،  ومع استخدام أكثر من 70% من السكان في سن العمل لأدوات الذكاء الاصطناعي، فإن تحديث البنى المفتوحة للبيانات يتيح للمهنيين المحليين اكتساب مهارات متقدمة في مجال البيانات الضخمة، بما يعزز قدرتهم على مواكبة التحول المتسارع في بيئة العمل.

خفض تكلفة الفشل

في السياق، يؤكد ماهيش شاهدادبوري، رئيس مجلس إدارة مجموعة تاسك للتوظيف، أن التحول يكمن في حجم العمل الذي يمكن إنجازه قبل أن تلتزم المؤسسة بقدر كبير من الوقت والمال، فقد اعتمد البحث العلمي تقليدياً على قدر كبير من العمل اليدوي قبل أن تتمكن الفرق من تحديد ما إذا كانت الفكرة تستحق المتابعة، أما الوكيل، فيمكنه اختصار هذه المرحلة من خلال تحليل الأبحاث القائمة، ومعالجة مجموعات ضخمة من البيانات، واختبار مسارات متعددة بوتيرة أسرع بكثير، ومن شأن ذلك أن يجعل التجريب أقل تكلفة، وأن يتيح للباحثين استكشاف عدد أكبر من الأفكار من دون الحاجة إلى تشكيل كما قد يسهم في إتاحة الأبحاث المتقدمة أمام مؤسسات أصغر حجماً لم تكن قادرة في السابق فريق كبير حول كل مشروع، على تحمل تكاليف الكفاءات أو الوقت اللازمين لتنفيذها. أما التأثير الأوسع، فيتمثل في قدرة المؤسسات على اختبار عدد أكبر من الأفكار قبل تخصيص موارد كبيرة لها، وهو ما يخفض تكلفة الفشل، ويوسع نطاق الوصول إلى التجريب، وقد يتيح للفرق الصغيرة المنافسة في مجالات بحثية كانت تتطلب في السابق موارد وحجماً أكبر بكثير.

من جانب آخر، يشرح سابيا سين، نائب الرئيس لمنطقة الهند والشرق الأوسط وأفريقيا ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ، أنه بدلًا من أن يأخذ الذكاء الصناعي محل البشر، سيحقق هؤلاء الوكلاء أفضل نتائجهم عند ربطهم بطبقة موثوقة وخاضعة للحوكمة لمنطق الأعمال، بما يتيح إعداد البيانات ودمجها وتنظيم المعلومات وتنفيذ العمليات التحليلية المعتمدة، ويسهم ذلك بني سد الفجوة بين مجموعات البيانات المعقدة والرؤى القابلة للتنفيذ، بما يمنح الباحثين وقتاً أكبر لتصميم التجارب واختبار الفرضيات وتفسير النتائج.

وذكر سين القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي المؤسسي لا تكمن في إسناد القرارات العلمية إلى نموذج يفتقر إلى أسس موثوقة، فمن دون بيانات موثوقة ومنطق أعمال واضح ومقنن، قد يتحول الذكاء الاصطناعي إلى تخمين مكلف، ومن خلال ربط الوكلاء بسير عمل موثوق وخاضع للحوكمة وحسابات قابلة للتكرار، تتمكن المؤسسات من الحد من «ضريبة إعادة العمل» الناتجة عن إعادة بناء قواعد الأعمال والبرمجيات غير المختبرة، وأظهرت اختبارات داخلية أجرتها شركة ألتبيكس ( Alteryx) أن الجمع بين نموذج لغوي كبير ( LLM ) وسير عمل موثوق وقائم بالفعل خفض استهلاك 93%، وزاد السرعة بنسبة تصل إلى الرموز بنسبة تصل إلى 85 % وفي نهاية المطاف، يختصر وكلاء الذكاء الاصطناعي المسافة بين البيانات الخام والأدلة، فيما يظل الخبراء المتخصصون أساسيين في تحديد المنطق الأساسي والتحقق منه والإشراف عليه.

ويشرح ميشيل نادر، مدير عام سنوفليك لمنطقة الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا، أن  كفاءة الذكاء الاصطناعي تتوقف على مدى قدرته على تحويل البيانات والنماذج وسياق الأعمال إلى نتائج مفيدة، قياساً إلى الموارد المستخدمة لتحقيق ذلك، وتساعد أدوات مثل التوجيه التلقائي بين النماذج على تحويل هذا المفهوم إلى ممارسة عملية، من خلال تحديد النموذج الأنسب لكل مهمة تلقائياً، بما يحقق التوازن بين جودة النتائج والتكلفة، ومع توافر بيانات موثوقة ومستويات مناسبة من الرقابة، يمكن لهذا النهج أن يمنح المؤسسات قدر ة أكثر على التجربة والابتكار  التي تحمل أكثر ضمن الميزانيات الحالية، كما يمكن إعادة توجيه الوفورات الناتجة إلى استكشاف أفكار جديدة وتطوير الأفكار إمكانات، بما يتيح توسيع نطاق الابتكار مع الحفاظ في الوقت نفسه على كفاءة اقتصاديات الذكاء الاصطناعي.

وتحدث ألفريد مناسيه، الرئيس التنفيذي للعمليات والشريك المؤسس لشركة شفرة، يستطيع فريق البحث نفسه اختبار عدد أكبر من الأفكار، وتحليل كميات أكبر من البيانات، وتسريع الانتقال بين مراحل التطوير والتجربة بصور ة كبيرة، ولا يقتصر الأثر الأكبر بالضرورة على الجوانب الأكثر تكلفة في البحث، كالتجارب العملية والمختبرات والمعدات ، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أيضاً تقليص حجم العمل المرتبط بهذه الأنشطة، ويؤدي ذلك إلى تغيير اقتصاديات الابتكار، من خلال إتاحة المجال أمام الفرق والمؤسسات الأصغر لتنفيذ أعمال كانت تتطلب في السابق موارد بشرية ومادية أكبر بكثير ومع مرور الوقت، يتحول التحدي الأساسي من مجر د توفير عدد كافٍ من الكوادر البشرية إلى عوامل أخرى، من بينها جودة السؤال المطروح، وجودة البيانات، والقدرة على التحقق من النتائج، إلى جانب الحكم البشري.

وأكد مناسيه، أنهُ لا يعتقد أن المسألة تتعلق ببساطة باستبدال الباحثين بالذكاء الاصطناعي . فمن المرجح أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى أتمتة أجزاء من الوظائف أو استبدالها بوتيرة أسرع بكثير من استبداله للمهن بأكملها، كما سيخصص الباحثون وقتاً أقل للبحث عن المعلومات الأساسية وجمعها وتحليلها، وكذلك للمهام المتكررة  ومراجعة النتائج ومناقشتها، والتحقق من الاستنتاجات، واتخاذ القرارات، ومن المرجح أن تتعر ض الأدوار التي تستمد معظم قيمتها من الأعمال المعرفية المتكرر ة لضغوط متزايدة، وفي المقابل، قد ترتفع إنتاجية الباحثين والمتخصصين ذوي الخبرة بشكل ملحوظ، مع قدرتهم عملياً على العمل إلى جانب فريق من وكلاء الذكاء الاصطناعي.