في غرفة مليئة بألوان الـRGB يجلس شاب على أريكته يلعب لعبته المفضلة على جهاز الألعاب الخاص به، يبدو غير مبالٍ بالأوضاع السياسية، والتغيرات الدولية، غير عابئ بأي من الصراعات الدولية، ولا يهمه سوى التركيز في لعبته بمعزل عن صراعات الـAI ومدى تطوره.. شاعراً أنه يقف بعيداً ولا يتأثر بكل الأمور المحيطة.. لكنه أصبح ضحية جديدة من ضحايا سياسات ترامب عالمياً، وصار بين فكي رحى الـAI وكل الصراعات الدائرة حوله.. فكيف حدث ذلك؟ وكيف تأثرت الألعاب بسياسات ترامب؟
الأمر يبدو كتأثير الفراشة، كأن ترفرف فراشة في كاليفورنيا فيقوم إعصار في اليابان أو مثل "الدومينو إيفيكت" وبمجرد أن ينهار قالب في السلسلة تتابع التساقطات واحد تلو الآخر، حتى تنهار قطع الدومينو لآخر قطعة في السلسلة، فحين وضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب الفوز بسباق الذكاء الاصطناعي أمام الصين ضمن أولويات إدارته، بدت المعركة بعيدة تماماً عن عالم ألعاب الفيديو، لكن سلسلة من القرارات والاستثمارات بدأت تربط بين واشنطن ومراكز البيانات ومصانع الذاكرة، قبل أن تصل آثارها إلى أجهزة PLAYSTATION وXBOX وSWITCH، وإلى الطريقة التي تشتري بها الألعاب نفسها.
في نوفمبر 2020، طرحت مايكروسوفت جهاز XBOX SERIES X في الولايات المتحدة مقابل 499 دولاراً.
بعد نحو ست سنوات، لم يصبح الجهاز أرخص، كما يحدث عادة مع الأجهزة الإلكترونية بعد نضج خطوط الإنتاج وانخفاض تكلفة المكونات، ولكن ما حدث كان العكس.
بحلول أغسطس 2026، وصل سعر XBOX SERIES X بسعة تيرابايت واحد في السوق الأميركية إلى 799.99 دولار، بزيادة تقارب 60% عن سعر الإطلاق.
واللافت أن مايكروسوفت نفسها قدمت جزءاً من تفسير هذه القفزة، حيث قالت الشركة إن أسعار التخزين والذاكرة المستخدمة في أجهزة الألعاب ارتفعت بأكثر من 2.5 مرة، وإنها تتوقع استمرار الضغوط خلال السنوات التالية.
لكن كيف أصبحت الذاكرة، التي كانت لسنوات مكوناً معتاداً في أجهزة الألعاب، واحدة من أكبر مصادر الضغط على تكلفتها؟
الإجابة تبدأ بعيداً عن غرفة اللاعب.
الدومينو الأول.. الفوز بسباق الذكاء الاصطناعي
بعد عودته إلى البيت الأبيض في يناير 2025، ظهر ترامب إلى جانب قيادات OPENAI وSOFTBANK وORACLE للإعلان عن مشروع STARGATE.
الخطة استهدفت استثمارات تصل إلى 500 مليار دولار خلال أربع سنوات لبناء بنية تحتية للذكاء الاصطناعي داخل الولايات المتحدة، مع بدء استثمارات بقيمة 100 مليار دولار، ولم يكن الإعلان منفصلاً عن المنافسة مع الصين.
إدارة ترامب تبنت منذ البداية خطاباً يقوم على ضرورة احتفاظ الولايات المتحدة بالتفوق في الذكاء الاصطناعي، ثم حولت هذا التوجه إلى سياسة رسمية.
في يوليو 2025، أطلق البيت الأبيض خطة WINNING THE AI RACE: AMERICA’S AI ACTION PLAN، متضمنة أكثر من 90 إجراءً لتسريع الابتكار، وتوسيع البنية التحتية، ودعم مراكز البيانات والطاقة وأشباه الموصلات.
بمعنى آخر، لم يعد سباق الذكاء الاصطناعي مجرد منافسة بين OPENAI وغوغل ومايكروسوفت وغيرها، أصبح جزءاً من الاستراتيجية الاقتصادية والتكنولوجية للولايات المتحدة، وكلما تسارع السباق، احتاج إلى مراكز بيانات أكبر، ومعالجات أكثر، وطاقة أكبر، وذاكرة أكثر.. وهنا تسقط القطعة الثانية من الدومينو.
الذاكرة تتحول إلى ساحة منافسة
عندما يدور الحديث عن الذكاء الاصطناعي، غالباً ما تذهب الأنظار إلى وحدات GPU من NVIDIA، لكن تلك المعالجات لا تعمل وحدها، الخوادم تحتاج إلى كميات ضخمة من HBM وDRAM وNAND، وهي مكونات تدخل أيضاً، بصورة مختلفة، في أجهزة الكمبيوتر والذواكر والهواتف وأجهزة الألعاب.
المشكلة أن الطاقة الإنتاجية لمصنعي الذاكرة ليست بلا حدود، ومع ارتفاع الطلب من مراكز البيانات، أصبحت منتجات الخوادم والذكاء الاصطناعي أكثر جاذبية للمصنعين، ليس فقط بسبب حجم الطلب، بل لأنها تحقق هوامش أعلى، وهكذا بدأت شركات الذاكرة توجه نسبة أكبر من طاقتها الإنتاجية إلى HBM وذاكرة الخوادم.
وبحلول الربع الثاني من 2026، توقعت TRENDFORCE ارتفاع أسعار DRAM التقليدية بين 58 و63% خلال ربع واحد، وارتفاع NAND FLASH بين 70 و75%، هذه الأرقام لم تبق داخل صناعة مراكز البيانات، بل بدأت تنتقل إلى الأجهزة الاستهلاكية.
رويترز رصدت أن طفرة الذكاء الاصطناعي دفعت منتجي الذاكرة إلى إعطاء أولوية أكبر لمنتجات مراكز البيانات الأعلى ربحية، ما أدى إلى ضغوط على الإمدادات المخصصة لأجهزة مثل PLAYSTATION وXBOX وSWITCH.
وهنا أصبح السباق على الذكاء الاصطناعي يلتقي مباشرة مع عالم الألعاب.
من 15% إلى 42% من تكلفة الجهاز
أحد الأرقام الأكثر وضوحاً يأتي من تكلفة تصنيع جهاز الألعاب نفسه، تاريخياً، كانت الذاكرة تمثل نحو 15% من تكلفة المكونات في أجهزة الألعاب.
في 2026، قدرت TRENDFORCE أن هذه النسبة ارتفعت في بعض الأجهزة إلى ما بين 23 و42%، وهذه ليست زيادة هامشية، فأجهزة الألعاب تباع عادة بهوامش محدودة، وأحياناً بخسارة أو بالقرب من التكلفة، لأن الشركات تراهن على تحقيق الأرباح لاحقاً من الألعاب والاشتراكات والمحتوى الرقمي.
لذلك، عندما ترتفع تكلفة مكون واحد بهذه السرعة، يصبح هامش الحركة أمام الشركة ضيقاً، والنتيجة بدأت تظهر في الأسعار.
PS5 الذي طرحته سوني في الولايات المتحدة عام 2020 مقابل 499.99 دولار وصل في 2026 إلى 649.99 دولار.
XBOX SERIES X ارتفع من 499 دولاراً إلى نحو 800 دولار.
بدلاً من أن يصبح الجيل الحالي أرخص مع مرور السنوات، أصبح أغلى، وهذه واحدة من أكثر الظواهر غرابة في دورة أجهزة الألعاب الحديثة.
ترامب يضغط من الجهة الأخرى أيضاً
ضغط الذكاء الاصطناعي لم يكن العامل الوحيد، بالتوازي مع تسريع الاستثمار في مراكز البيانات والرقائق، أعادت إدارة ترامب استخدام الرسوم الجمركية والحرب التجارية كأداة أساسية في العلاقة مع الصين وشركاء تجاريين آخرين، وبالنسبة إلى صناعة تعتمد على سلاسل توريد موزعة بين آسيا والولايات المتحدة، كان هذا ضغطاً إضافياً.
في أبريل 2025، أجلت NINTENDO فتح الطلب المسبق على SWITCH 2 في الولايات المتحدة حتى تقيّم تأثير الرسوم الجديدة وظروف السوق، بعدها بأسابيع، رفعت MICROSOFT أسعار أجهزة XBOX.
وهكذا وجدت شركات الألعاب نفسها بين ضغطين يعملان في الاتجاه نفسه:
من جهة، سباق الذكاء الاصطناعي يرفع الطلب على الذاكرة والرقائق ومكونات مراكز البيانات.
ومن جهة أخرى، الرسوم التجارية تضيف تكلفة وعدم يقين إلى سلاسل التوريد، وفي النهاية، يصل الضغطان إلى الجهاز نفسه.. لكن ارتفاع سعر الجهاز ليس سوى بداية المشكلة.
الجهاز ليس مركز الربح الحقيقي
اقتصاد صناعة الألعاب لا يعتمد أساساً على بيع الجهاز، الجهاز هو البوابة، والربح الحقيقي يأتي لاحقاً من الألعاب، والمتجر الرقمي، والاشتراكات، والمحتوى الإضافي، والخدمات المستمرة.
لذلك، إذا أصبح بيع الجهاز نفسه أقل ربحية، تصبح قيمة كل مستخدم بعد شراء الجهاز أكثر أهمية، وهنا تظهر لغة مختلفة في تقارير الشركات، فسوني تقول إنها تعمل على زيادة الإيرادات من PLAYSTATION PLUS، ورفع متوسط الإيراد من المستخدم على PLAYSTATION STORE، والتحكم في التكاليف وسلسلة الإمداد.
المعادلة بسيطة:
إذا أصبحت تكلفة إدخال اللاعب إلى المنصة أعلى، يصبح من الضروري تحقيق عائد أكبر منه بعد دخوله.. وهنا تسقط قطعة الدومينو التالية.
اللعبة بـ80 دولاراً
لسنوات طويلة، كان 60 دولاراً هو السعر القياسي للألعاب الكبرى، ثم أصبحت 70 دولاراً أكثر شيوعاً، وفي الجيل الحالي ظهر مستوى جديد: 79.99 دولار، NINTENDO طرحت MARIO KART WORLD بهذا السعر، وMICROSOFT أعلنت بدورها أن بعض ألعابها الجديدة ستصل إلى المستوى نفسه.
والسبب المعلن لم يكن الذاكرة هذه المرة، بل ارتفاع تكاليف التطوير وظروف السوق، وهنا يجب الفصل بين المسارين.
ارتفاع سعر اللعبة ليس نتيجة مباشرة لارتفاع DRAM أو NAND.
لكنه يحدث داخل البيئة الاقتصادية نفسها التي أصبحت فيها تكلفة تطوير الألعاب وتسويقها وتشغيلها أعلى، بينما تتعرض هوامش الأجهزة لضغوط إضافية، بمعنى آخر، صناعة الألعاب لا تواجه مشكلة واحدة، بل عدة ضغوط تجمعت من جميع الاتجاهات في الوقت نفسه، والنتيجة أن الشركات تبحث عن عائد أكبر من كل مستخدم.
لكن رفع سعر اللعبة له حدود واضحة، فعندما أعلنت MICROSOFT سعر 80 دولاراً لبعض ألعابها، واجه القرار مقاومة كبيرة، قبل أن تتراجع الشركة في بعض الحالات إلى 69.99 دولار.
وهنا يظهر الطريق الآخر الأكثر هدوءاً، بدلاً من رفع السعر فقط، يمكن للشركة أن تخفض تكلفة البيع نفسها، وفي يوليو 2026، أعلنت SONY أنها ستوقف إنتاج الأقراص للألعاب الجديدة على PLAYSTATION اعتباراً من يناير 2028.
الشركة أرجعت القرار إلى تحول تفضيلات المستخدمين نحو المحتوى الرقمي، لكن التحول الرقمي يحمل أيضاً ميزة اقتصادية واضحة للشركات.
اللعبة الرقمية لا تحتاج إلى تصنيع قرص BLU-RAY، ولا علبة، ولا طباعة، ولا شحن، ولا مخزون مادي، ولا مرتجعات.
والأرقام تظهر أن المستهلك نفسه أصبح يدفع السوق في هذا الاتجاه.
بيانات "ELECTRONIC ARTS" تكشف أن نسبة الألعاب المباعة رقمياً على PLAYSTATION وXBOX ارتفعت من نحو 73% في السنة المالية 2024 إلى 78% في 2025، ثم إلى 81% في 2026.
وفي الفترة نفسها، ارتفعت إيرادات تنزيل الألعاب الرقمية، بينما تراجعت إيرادات المنتجات المعبأة، EA تقول صراحة إن ارتفاع المبيعات الرقمية يساعد عادة على تحسين هامش الربح، لأن تكلفة بيع اللعبة رقمياً أقل من تكلفة بيعها عبر قنوات التجزئة التقليدية.
وهنا يتغير الأمر من مجرد طريقة تحميل، بل أن التحول الرقمي يعيد تشكيل اقتصاد اللعبة نفسها، فكلما انتقلت عملية البيع من القرص إلى المتجر الرقمي، قل عدد الأطراف بين الناشر والمستهلك، وانخفضت تكاليف التصنيع والتوزيع، وزادت أهمية المنصة الرقمية في التحكم في عملية البيع.
وهنا يختفي تماماً جانب مهم من اقتصاد الألعاب القديمة: سوق النسخ المستعملة، فالنسخة المادية يمكن بيعها مرة ثانية وثالثة.
أما النسخة الرقمية، فتبقى عادة مرتبطة بحساب المستخدم والمنصة.
كل ذلك يجعل الدولار الذي ينفقه اللاعب أقرب إلى المنظومة التي تديرها الشركة نفسها، دون أن تتقاسم المنصة الربح مع أي من الكيانات أو الوسطاء.
قد يكون اللاعب آخر شخص يخطر على بال البيت الأبيض حين يضع استراتيجية لمنافسة الصين في الذكاء الاصطناعي، لكنه بات واحداً ممن تصل إليهم نتائج هذا السباق.
ليس لأن جهاز PLAYSTATION أو XBOX تحول فجأة إلى جهاز ذكاء اصطناعي، ولكن لأن مركز البيانات الذي يدرب النموذج القادم، والجهاز الموجود تحت تلفزيون اللاعب، أصبحا يلتقيان داخل سلسلة إمداد واحدة تتنافس على الرقائق والذاكرة والاستثمار.
وفي سباق تبلغ استثماراته مئات المليارات من الدولارات، لا تحتاج قطعة الدومينو الأخيرة إلى أن تسقط في واشنطن أو بكين، قد تسقط ببساطة عند صندوق الدفع في متجر ألعاب.