نقلت وكالة الأنباء الفرنسية صورة للطائرة العسكرية الأمريكية «غلوبماستر» وهي تأخذ جون راتكليف، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) إلى العاصمة الروسية موسكو.

نقلت الوكالة صورة الطائرة وهي تحط في مطار موسكو، بينما الأشجار تحيط بها وبالمطار من كل اتجاه، ومع الأشجار كان هناك الكثير جداً من الغموض حول السبب الذي أرسل راتكليف إلى روسيا هكذا بشكل مفاجئ وبغير مقدمات.

وحين سُئل الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عن الزيارة أجاب بكلام عام لا يغني ولا يسمن من جوع، وكان كلامه من نوعية أن الزيارة تتعلق بالحرب بين روسيا وأوكرانيا، أو أنها تتصل بالتوتر في العلاقات بين الروس والأوروبيين، أو إلى آخر مثل هذه العناوين التي لا تكشف في الحقيقة عن شيء محدد.

ولكن الشيء الوحيد الذي كان واضحاً وقاطعاً في حديث ترامب عن زيارة راتكليف، أن موضوع الحرب مع إيران لم يكن بين بنودها.

إن منصب رئيس الاستخبارات المركزية الأمريكية ليس كأي منصب في الولايات المتحدة، وصاحبه ليس كصاحب أي منصب آخر هناك، وإذا تحرك رجل مثل راتكليف من عاصمة بلاده إلى أي عاصمة أخرى فالأمر شديد الأهمية والسرية معاً..

ولا يمكن لرجل مثله أن ينتقل بكامل هيئته من مكتبه في بلاد العم سام إلى بلد آخر، إلا ليحصل على معلومات مهمة للغاية، أو ينقل معلومات على الدرجة ذاتها من الأهمية.

فهذا هو عمله أو هذه هي طبيعة عمله مع الفريق الذي يرافقه في ذلك الكيان الضخم الفخم الذي يشتهر بأنه «سي آي إيه».

وبالطبع من الجائز أن يكون قد انتقل إلى موسكو لأحد هذين السببين: الحصول على معلومات، أو نقل معلومات على درجة من الخطورة لا يمكن أن تنتقل أو يتم الحصول عليها، إلا على مستوى رئيس الجهاز نفسه.. ولأن الأمر كذلك.

فالغالب أن يخاطب الرئيس ترامب الرأي العام حول الزيارة بكلام عام من نوع ما خاطبه به حين سألوه عن السبب الذي جعل رجلاً في أهمية راتكليف ينتقل شخصياً إلى بلاد الدب الشهير.

والغالب أيضاً أن رئيس الاستخبارات سيقول الكلام العام ذاته، إذا كان لا بد من الكلام عن الزيارة من جانبه.

هذا كله مفهوم، ويمكن هضمه واستيعابه، ولكن غير المفهوم أن تكون رحلة الرجل إلى موسكو لا إلى بروكسل، حيث مقر الاتحاد الأوروبي الذي عاش منذ نشأته حليفاً للولايات المتحدة الأمريكية، وعاشت روسيا في المقابل خصماً سياسياً للحليفين الأمريكي والأوروبي معاً.

صحيح أن تحولاً ملحوظاً طرأ على علاقة الحليفين منذ أن عاد ترامب للبيت الأبيض في يناير من السنة الماضية، وصحيح أن العلاقة بين الحليفين التاريخيين في أيام ترامب، ليست كما كانت في سنوات جو بايدن، ولا كما كانت في عهد أي رئيس أمريكي منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها.

ولكن المتخيل أن ما طرأ على العلاقة مرتبط بمزاج الرئيس ترامب السياسي على مستواه هو، قبل أن يكون على مستوى مؤسسات حاكمة وراسخة في بلاده.

هذا هو المتخيل، وهذا ما يجعل كثيرين يتصورون أن علاقة الولايات المتحدة بالاتحاد الأوروبي يمكن جداً أن تعود لسابق عهدها إذا ما غادر ترامب البيت الأبيض.

وأصحاب هذا التصور لديهم سبب وجيه يقوم عليه مثل هذا التصور، وليس السبب الوجيه سوى أن علاقة قامت بين الحليفين على مدى ثمانية عقود، لا يمكن أن تذوب فجأة هكذا.

ولا يمكن أن يستيقظ الطرفان على شاطئي المحيط الأطلسي، ليكتشفا أن ما بنياه على طول هذه العقود تبخر فجأة ولم يعد له أثر ولا وجود!

لا يمكن.. وهذا ما يجعل الذين تابعوا الزيارة في حيرة من أمرهم، ويجعلهم يتطلعون إليها وكلهم أمل أن يفهموا لماذا موسكو لا بروكسل حيث مقر الاتحاد؟.. ومما زاد من منسوب الحيرة أكثر أن المتحدث باسم الكرملين قال إن راتكليف لم يجلس إلى الرئيس الروسي بوتين أثناء الزيارة!