«العش» فيلم بريطاني أمريكي كندي، من حيث الإنتاج والممثلين المشاركين، بينما يشعر المشاهد منذ الدقائق الأولى وتكرار بعض المشاهد وبطئها، أن هوية الفيلم الفنية أوروبية (بريطانية)، أكثر منها أمريكية.
فالإيقاع البطيء والتأملي، والصمت الذي يتخلل العديد من المشاهد، والإحالات والرموز التي يحفل بها الفيلم، كلها من ملامح السينما الأوروبية، خلافاً لسينما هوليوود، التي تتسم بالسرعة والحركة والمفاجآت المثيرة، ما يعني أن «العش» نموذج حقيقي للفيلم الأوروبي، بدءاً بعنوانه شديد الرمزية!
العش حين يقصد به البيت، فإنه يولّد في الذهن تلك الصور النمطية التي توارثتها الذاكرة الإنسانية عن (عش الزوجية / العش العائلي..)، الذي يحيل مباشرة إلى المكان الذي يوفر لساكنيه الأمان والاستقرار، والتفاهم والمودة، وهذا ما لم يتوفر في (العش)، الذي عاد البطل من أمريكا إلى مسقط رأسه بريطانيا ليوفره لأسرته.
وهذا ما يلمحه المشاهد منذ الوهلة الأولى التي تقع فيها عينا الزوجة على القصر الكبير، وحتى بعد أن تدخله وتكتشف تفاصيله، نجدها تشعر بنوع من خيبة الأمل التي تتكرر في حديث الأبناء الذين يعبّرون عن خوفهم من البيت، وشعورهم بالضياع فيه، وعدم الشعور بالأمان والراحة.
ما فعله الفيلم، أنه قلب صورة البيت / العش، رأساً على عقب. فالبيت الذي رأيناه في الفيلم ضخم وفخم وبارد ومظلم، وكثير الزوايا والغرف الخفية، ما يشير إلى الأسرار التي تبدأ في التراكم، مخفية خلفها مشاعر أفراد العائلة، وتباعدهم عن بعضهم البعض.
فهو بيت، لكنه لا يشبه العش إطلاقاً. إنه موحش، وواسع أكثر مما تقتضيه حاجة العائلة. الخلاصة أنه كلما اتسع المكان، ضاقت العلاقات. فالعش أو البيت تصنعه العلاقات، والمحبة، وليس المقتنيات والجدران.
لقد انهار هذا (العش) في النهاية، تحت عاصفة الكذب والأوهام التي راكمها رب الأسرة، الذي كان أوهم نفسه وزوجته أنه عاد إلى لندن لبناء «عش» جديد لعائلته، لكنه في الحقيقة كان يبني مسرحاً لصورة يريد أن يراها الآخرون، وتحديداً زملاؤه القدامى ووالدته، التي عجز عن أن يحصل منها على اعتراف بنجاحه وتفوقه.
فتحول العش إلى مجرد قصر يشير إلى رجل ثري، ناجح اجتماعياً، ويمثل رمزاً لحلم قديم لطالما راوده، لكن الأكاذيب والديون والأوهام، قادت إلى انهيار كل شيء!
اقرأ أيضاً:
«العش».. الاستحقاق والانكسار 1-2