قبل أسبوعين من موعد الاقتراع، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإعلان لافت على منصته «تروث سوشيال»: أكثر من 400 مليون دولار أنفقها، أو سينفقها، بحلول يوم الانتخابات دعماً للحزب الجمهوري، منها أكثر من 300 مليون صُرفت بالفعل على الإعلانات والتجمعات وحشد الناخبين. وربط ترامب قراره بما وصفه بمشاهد «ما يجري في فرنسا ومناطق أخرى في أوروبا». لكن الرقم، على ضخامته، ليس سوى قطرة في بحر المال الذي يتدفق على انتخابات التجديد النصفي هذا العام، والتي باتت الأغلى في تاريخ الولايات المتحدة.

فبحسب مجلة «تايم»، تجاوز الإنفاق على الإعلانات السياسية في هذه الدورة الانتخابية 10 مليارات دولار حتى الأسبوع الماضي، ويُتوقع أن يبلغ 11.6 مليار بحلول يوم الاقتراع، وفقاً لمجموعة «أد إمباكت» المتخصصة في رصد الإعلام. ويحطم هذا الرقم الرقم القياسي السابق للانتخابات النصفية، المسجل عام 2022 عند 8.9 مليارات دولار، بل يتجاوز ما أُنفق على إعلانات الانتخابات الرئاسية عام 2024 نفسها، والبالغ نحو 11.2 مليار. وهذه الأرقام لا تشمل سوى الإعلانات، دون رواتب العاملين في الحملات والسفر والتواصل مع الناخبين.

حسم السباقات

ولا يُنفق هذا المال عبثاً. فقد قدّرت دراسة نُشرت عام 2021 في «المجلة الأمريكية للعلوم السياسية» أن تفوّق مرشح لمجلس الشيوخ على منافسه بمليوني دولار في الإعلانات التلفزيونية قد يمنحه نحو 10 آلاف صوت، وهو فارق كفيل بحسم سباق متقارب. ومع ذلك، يحذّر الخبراء من المبالغة في تقدير أثره. فبحسب برندان غلافين، مدير التحليلات في مؤسسة «أوبن سيكرتس» المتخصصة في رصد أثر المال في السياسة الأمريكية، فإن امتلاك الأكثر وإنفاق الأكثر لا يضمنان الفوز؛ يحتاج المرشح إلى ما يكفي للمنافسة والتعريف بنفسه، لكن المسألة لا تُحسم دائماً بالأرقام.

وتكشف خريطة الإنفاق عن خلل لافت بين الحزبين. فالجمهوريون يتفوقون بفارق كبير في سباقات مجلس الشيوخ، إذ أنفقوا 233 مليون دولار مقابل 121 مليوناً للديمقراطيين على الإعلانات التلفزيونية في تسعة من أشد السباقات تنافساً خلال الشهر الماضي. وفي السباقات المصنفة «متأرجحة»، تُنسب إلى الجمهوريين إعلانات بقيمة 947 مليون دولار، مقابل 625 مليوناً للديمقراطيين، بما في ذلك إعلانات لم تُبث بعد. أما في سباقات مجلس النواب، فالفارق أضيق بكثير. والمفارقة أن المرشحين الديمقراطيين لمجلس الشيوخ جمعوا تبرعات تفوق ما جمعه منافسوهم في كثير من السباقات الحاسمة، لكن التفوق الجمهوري يأتي من مصدر آخر: حفنة من الأثرياء يموّلون ما يُعرف بـ«اللجان السياسية الكبرى».

أكبر متبرع

وفي قلب هذه الظاهرة يقف إيلون ماسك، فأغنى رجل في العالم قدّم 369 مليون دولار للجمهوريين منذ مطلع 2025، ليصبح أكبر متبرع فردي في الانتخابات الفيدرالية لهذه الدورة. وفي الشهر الماضي وحده، منح 158 مليون دولار لصندوق «قيادة مجلس الشيوخ»، الذي حوّل مبالغ مماثلة إلى لجنة تدعم المرشح الجمهوري في تكساس كين باكستون. وإلى جانبه، تبرع قطبا الشحن إليزابيث وريتشارد أويلاين بـ138 مليون دولار، وجيف ياس، مؤسس مجموعة «ساسكويهانا»، وزوجته جانين بـ110 ملايين. وفي الجهة الأخرى، يتصدر جورج سوروس قائمة المتبرعين للجان الديمقراطية، إذ ترتبط به جهات أسهمت بـ102 مليون دولار في لجنة أسسها عام 2019.

وتتجلى قوة المال بأوضح صورها في ولاية تكساس، حيث يخوض الديمقراطي جيمس تالاريكو سباقاً قد يجعله أول سيناتور ديمقراطي للولاية منذ 1993، إذ منحه استطلاع حديث 51% في مواجهة باكستون. وقد تجاوز الإنفاق الإعلاني وحجوزات البث في هذا السباق وحده 500 مليون دولار، ليصبح ثاني سباق غير رئاسي في التاريخ يتخطى هذه العتبة. ورغم أن تالاريكو تفوّق على منافسه في جمع التبرعات بنحو 50 مليون دولار بين يوليو وسبتمبر، فإن كبار المتبرعين واللجان منحوا باكستون الأفضلية على الشاشات. وتليها ولاية أوهايو بإنفاق تجاوز 450 مليون دولار، ثم ولاية مين، التي تشهد السباق الأغلى قياساً إلى عدد السكان، بنحو 200 مليون دولار.

سقف التبرعات

ولفهم كيف وصل المال إلى هذا الحجم، لا بد من العودة إلى عام 2010. فالقانون الأمريكي يضع سقوفاً صارمة للتبرعات المباشرة؛ إذ لا يتجاوز تبرع الفرد لحملة مرشح 3500 دولار في الانتخابات الواحدة. لكن حكمين قضائيين في ذلك العام فتحا باباً واسعاً: حكم المحكمة العليا في قضية «سيتيزنز يونايتد»، الذي حمى الإنفاق السياسي المستقل للشركات والنقابات، وحكم لاحق لمحكمة استئناف فيدرالية ألغى سقف التبرعات الفردية للجهات التي تقتصر على الإنفاق المستقل. ومن هنا وُلدت «اللجان السياسية الكبرى»، التي لا يحق لها التبرع المباشر للمرشحين ولا تنسيق إعلاناتها مع حملاتهم، لكنها تستطيع تلقي تبرعات بلا سقف.

ويرى المنتقدون أن هذا النظام يمنح الأثرياء نفوذاً سياسياً غير متكافئ، ويسمح بتدفق أموال عبر جمعيات غير ربحية تُخفي مصادرها الأصلية، فيما يُعرف بـ«المال المظلم». فاللجان الكبرى ملزمة بالكشف عن متبرعيها، لكن هؤلاء قد يكونون منظمات لا تكشف بدورها عن مموليها.

وهكذا تبدو انتخابات الثالث من نوفمبر، في أحد وجوهها، اختباراً لسؤال قديم يتجدد في كل دورة: هل تُشترى المقاعد في الديمقراطية الأمريكية؟ الأرقام تقول إن المال يفتح الأبواب ويصنع الحضور، لكن تجربة تكساس، حيث يتقدم المرشح الأقل إنفاقاً إعلانياً في الاستطلاعات، تذكّر بأن الناخب لا يزال يملك الكلمة الأخيرة. وبين 11.6 مليار دولار وصوت الناخب الواحد، تُحسم السيطرة على الكونغرس، ومعها مصير العامين الأخيرين من ولاية ترامب.