من تكساس إلى فلوريدا، تتشكل تدريجياً جبهة على مستوى الولايات تتجاوز انتظار القرار الاتحادي، وتدفع بملف الإخوان إلى مساحة جديدة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن ومكافحة التمويل مع حدود الصلاحيات الدستورية وحرية التنظيم والعمل المدني.وبينما صنفت تكساس في نوفمبر 2025 جماعة الإخوان و«مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية» (كير) كمنظمتين إرهابيتين أجنبيتين ومنظمتين إجراميتين عابرتين للحدود، انتقلت فلوريدا إلى خطوة أكثر اتساعاً، بعدما أقر الحاكم رون ديسانتيس وأعضاء مجلس الوزراء إدراج الإخوان و«كير» و«أنتيفا» وأكثر من 90 منظمة أخرى على قائمة الإرهاب بموجب قانون الولاية الجديد.

وتكتسب الخطوة الفلوريدية أهمية خاصة لأنها لا تكرر تجربة تكساس فقط، وإنما تؤسس لإطار تشريعي يمنح سلطات الولاية آلية مستقلة للتصنيف وفرض قيود على التمويل والدعم العام، مع تجريم بعض صور تقديم الدعم المادي للجهات المصنفة. وبذلك ينتقل الملف من نطاق التصريحات والمواقف السياسية إلى إجراءات يمكن أن تمس التمويل والعقود والموارد العامة، وتضع الجماعة والكيانات المرتبطة بها أمام واقع قانوني جديد داخل الولاية.

وتستند الخطوة إلى القانون HB 1471 الذي وقعه ديسانتيس في أبريل ودخل حيز التنفيذ في الأول من يوليو، مانحاً سلطات الولاية آلية مستقلة لتصنيف منظمات باعتبارها «منظمات إرهابية داخلية»، إلى جانب اعتماد التصنيفات الاتحادية للمنظمات الإرهابية الأجنبية.ويترتب على التصنيف وقف التمويل والعقود والمزايا الحكومية، وحظر استخدام الموارد العامة لدعم الجهات المدرجة، فضلاً عن عقوبات جنائية على بعض صور العضوية أو تقديم الدعم المادي وفق شروط القانون.

كما أن واشنطن نفسها اتخذت خلال العام الجاري خطوات ضد فروع محددة من «الإخوان»؛ إذ صنفت وزارة الخارجية الأمريكية الفرع اللبناني منظمة إرهابية أجنبية، فيما صنفت وزارة الخزانة الفرعين المصري والأردني ضمن نظام العقوبات الخاص بالإرهاب، وصُنّف الفرع السوداني لاحقاً منظمة إرهابية أجنبية.

شبكات عابرة للحدود

يرى حازم الغبرا، المستشار السابق في وزارة الخارجية الأمريكية وعضو الحزب الجمهوري عن ولاية فرجينيا، أن تداعيات أحداث السابع من أكتوبر كشفت، على نحو أكثر وضوحاً، عن ثغرات في تعامل الولايات المتحدة مع النشاط الدولي لجماعة الإخوان، ولا سيما ما يتعلق بشبكاتها العابرة للحدود وعلاقاتها المحتملة بجهات ومنظمات مصنفة إرهابية.ويوضح الغبرا أن هناك، من وجهة نظره، «مشكلة حقيقية» تتعلق بطبيعة عمل الجماعة وأهدافها، معتبراً أن «الإخوان» قدموا أنفسهم في مراحل مختلفة باعتبارهم تنظيماً سياسياً، بينما تداخل نشاط بعض أعضائهم أو الجهات المرتبطة بهم مع أنشطة حركية يرى أنها تندرج ضمن تعريفات الإرهاب المعتمدة في القوانين الأمريكية.

ويؤكد أن الجماعة ذات طبيعة عابرة للحدود، ولها فروع وشبكات في الولايات المتحدة وأوروبا ودول المنطقة، وهو ما يجعل التعامل معها، بحسب تقديره، يتجاوز نطاق العمل السياسي المحلي إلى ملف يتعلق بالتمويل والتحويلات المالية.ويشير إلى أن جوهر الإجراءات الأمريكية الجديدة يتمثل في تشديد الرقابة على الأموال التي قد تُستخدم، وفق ما تثبته التحقيقات والأدلة، في دعم أنشطة إرهابية.ويعتبر الغبرا أن التصنيف في تكساس وفلوريدا لا ينبغي النظر إليه باعتباره قراراً سياسياً فحسب، بل باعتباره مساراً قانونياً يستند إلى قوانين وإجراءات يمكن أن تتيح للسلطات تتبع مصادر التمويل والتحويلات وتعزيز قدرات أجهزة مكافحة الإرهاب وغسل الأموال.

ويرى أن الولايات المتحدة تأخرت في التعامل مع ملف «الإخوان»، مقارنة بدول عربية صنفت الجماعة إرهابية في مراحل سابقة، معتبراً أن الرهان الذي ساد خلال إدارة باراك أوباما على إمكانية تحول الجماعة إلى قوة سياسية إيجابية لم تثبته التجربة، خصوصاً في مصر.

ملاحقة الشبكات

ويخلص الغبرا إلى أن الإجراءات الجديدة قد تمثل، في حال استمرارها، انتقالاً من الجدل السياسي حول الجماعة إلى ملاحقة أكثر مباشرة لشبكاتها المالية، عبر منح أجهزة الدولة موارد وصلاحيات أكبر لمتابعة مصادر التمويل والتحويلات والأنشطة المرتبطة بها.

بينما يرى الباحث السياسي مرتضى سعد، المقيم في ولاية مينيسوتا، أن خطوة فلوريدا بتصنيف جماعة الإخوان ومجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (كير) وحركة «أنتيفا» ضمن قائمة الإرهاب المحلية تمثل تحولاً لافتاً في المشهد السياسي والقانوني الأمريكي، ويؤكد في الوقت نفسه أن مواجهة التنظيمات والجهات التي يثبت تورطها في أنشطة إرهابية أو تهدد الأمن العام تظل من صميم مسؤوليات الدولة، شريطة أن تستند إجراءات التصنيف والملاحقة إلى القانون ومعايير واضحة وقابلة للتحقق.

ويوضح سعد أن أهمية الخطوة تتجاوز بُعدها الأمني المباشر، باعتبارها توسعاً في دور الولايات في التعامل مع قضايا كانت تقليدياً تقع في نطاق الاختصاص الاتحادي، وهو ما يطرح تساؤلات حول كيفية تنسيق هذه الإجراءات مع المنظومة القانونية الفيدرالية، وضمان اتساق المعايير المطبقة بين الولايات والحكومة الاتحادية.

 أدوات قانونية

ويشير إلى أن التصدي للتطرف والإرهاب يتطلب أدوات قانونية حازمة، لكن فاعلية هذه الأدوات ترتبط بوضوح الأسس التي تستند إليها، وبالتمييز بين النشاط الذي يشكل تهديداً أمنياً حقيقياً وبين الممارسة المدنية أو السياسية التي تحميها القوانين والدستور. ويرى أن حماية الحريات لا تتعارض مع مكافحة الإرهاب، بل إن الالتزام بالإجراءات القانونية وضمان حق التقاضي والاعتراض يعزز مشروعية قرارات الدولة وقدرتها على إنفاذها.

ويضيف سعد أن اتساع نطاق التصنيفات المحلية يستدعي تدقيقاً أكبر في المعايير والإجراءات، خصوصاً عندما تمتد آثار القرار إلى كيانات تنشط في المجال المدني أو العام، حتى لا تتحول التشريعات الأمنية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى قيود على حرية التعبير والتنظيم التي يكفلها الدستور الأمريكي.

ويختتم سعد بالتأكيد أن مواجهة التطرف لا ينبغي أن تكون موضع خلاف من حيث المبدأ، وإنما يجب أن يدور النقاش حول الأدوات القانونية الأكثر دقة وفاعلية لتحقيقها، بحيث تضمن الدولة أمنها وتواجه التنظيمات التي يثبت خطرها، وفي الوقت نفسه تحافظ على الحريات العامة وسيادة القانون، بعيداً عن التسييس أو المعايير المتباينة بين المستويات الحكومية.