تدخل العلاقات بين روسيا وأوروبا مرحلة جديدة من التوتر، مع تصاعد الحوادث العسكرية وارتفاع مخاطر الاحتكاك بين موسكو وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، بالتزامن مع انتقال تداعيات الحرب في أوكرانيا إلى المجال الجوي والمياه الدولية القريبة من دول أعضاء في الحلف. حيث وجهت موسكو تحذيراً إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ملوحة بإمكانية اللجوء إلى السلاح النووي واستهداف مقار صنع القرار في دول الحلف فوراً، حال محاولة عزل أو حصار جيب «كالينينغراد» الروسي المطل على بحر البلطيق، والذي يفصل بين بولندا وليتوانيا.
مؤشرات خطيرة
بدأت تظهر في أوروبا، ترجح حصول توتر متصاعد مع روسيا، في ظل تقديرات استخباراتية تتحدث عن احتمالات مواجهة مباشرة بين حلف «الناتو» وموسكو، وتحضيرات استثنائية يقوم بها طرفا الصراع.
تشير المعلومات إلى تجهيزات تموينية وطبية وعسكرية غير مسبوقة توحي بأن الاشتباك قد يكون قريباً.في الأيام الأخيرة، شهدت بولندا تحركات جوية للناتو على خلفية نشاط مسيّرات روسية خلال ضربات على الأراضي الأوكرانية، فيما حذر رئيس الوزراء البولندي من احتمال تعرض الدول الداعمة لكييف لهجمات بطائرات مسيّرة أو صواريخ تظهر في صورة «حوادث» تستهدف اختبار قدرة الحلف على الرد.كما أعلنت وارسو انضمامها إلى تحالف مع أوكرانيا ودول أخرى لتطوير منظومة دفاع مضادة للصواريخ الباليستية.وفي 14 سبتمبر، أُعلن عن إسقاط مقاتلة تابعة للناتو مسيّرة روسية دخلت المجال الجوي الليتواني قادمة من بيلاروسيا، وقالت السلطات الليتوانية إن المسيّرة كانت تحمل متفجرات، في حادث يعكس مخاطر امتداد تداعيات الحرب إلى أراضي دول الحلف.
وفي بحر البلطيق، أطلقت فرقاطة روسية شعلتين تحذيريتين باتجاه مروحية عسكرية دنماركية كانت تنفذ مهمة مراقبة في المياه الدولية، بينما تبادلت موسكو وكوبنهاغن الاتهامات بشأن ملابسات الحادث.
ويزيد النشاط العسكري الروسي والأطلسي في المنطقة من احتمالات سوء التقدير، في ظل وجود قوات تابعة للطرفين في بيئة أمنية متوترة. تصعيد قائمتزامنت هذه التطورات مع لهجة روسية أكثر حدة، إذ أكد وزير الخارجية الروسي أن موسكو لا تعتزم مهاجمة أوروبا، محذراً في الوقت ذاته من أن أي حرب تبدأ بهجوم غربي على روسيا ستكون «مختلفة وقصيرة جداً».
ويرى محللون أن التصعيد لا يعني بالضرورة وجود قرار بخوض حرب شاملة، لكنه يعكس ارتفاع مستوى اختبار الردع وقواعد الاشتباك.وتتمثل الخطورة في تراكم الحوادث داخل بيئة عسكرية مكتظة، بما قد يحول حادثاً محدوداً إلى مسار تصعيد يصعب احتواؤه.
المخاطر الأمنية
يرى د. عمرو الديب، مدير مركز العمليات الجيوسياسية الدولية في موسكو، أن التطورات الأخيرة بين روسيا وأوروبا، ولا سيما في بولندا والدنمارك، ترفع مستوى المخاطر الأمنية، مشيراً إلى أن أوروبا سبق أن استعدت لمثل هذه السيناريوهات، خصوصاً في دول البلطيق القريبة من روسيا.
وأوضح أن القلق في وارسو يرتبط بموقعها وقربها من روسيا وبيلاروسيا، إلا أن الحوادث الأخيرة لا تعني بالضرورة التوجه نحو مواجهة وشيكة أو حتمية، بل تندرج في إطار الاحتكاك العسكري، وقد تمثل «رسائل بالنار» توسع نطاق الحرب في أوكرانيا عبر حوادث متفرقة، بالتزامن مع تشديد اللهجة الروسية تجاه الدول الأوروبية الداعمة لكييف.
وأضاف أن أوروبا تفسر التصعيد باعتباره محاولات روسية لإضعاف قدرة الناتو على المواجهة، لافتاً إلى أن الحوادث في الدنمارك وبولندا لم تصل إلى مرحلة تفعيل المادة الخامسة من معاهدة الحلف.
ويرى أن الأطراف لا تبدو راغبة في توسيع الحرب، في ظل الضغوط الاقتصادية العالمية والتوترات المرتبطة بأحداث مضيق هرمز.
وأشار الديب إلى أن مصدر القلق الأساسي يتمثل في تزايد الاحتكاك، حتى دون بلوغه مستوى المواجهة المباشرة، إذ قد يعجز أحد الأطراف عن احتواء حادث جديد.
ويأتي تعزيز الدفاع الجوي ومواجهة المسيّرات ضمن الاستعداد لسيناريوهات محتملة، والتعامل مع التطورات باعتبارها تهديداً أمنياً يتجاوز الحوادث المنفردة.
وأكد أن الدخول في حرب جديدة لا يخدم أياً من الأطراف، مشيراً إلى أن موسكو قد تسعى إلى اختبار قدرة أوروبا على الرد، في مقابل ضبط النفس الغربي والتعامل مع الهجمات المنفردة باعتبارها مؤشرات على تهديد مستقبلي.
ويخلص الديب إلى أن استمرار الحوادث قد يرفع الضغوط العسكرية والسياسية، مع بقاء المسرح الأوكراني ساحة أساسية للرد، محذراً من أن أي قرار بالحرب يستلزم دراسة احتمالات التصعيد، وفي مقدمتها مخاطر السلاح النووي.
«انفلات إدارة الأزمة»
بدوره، يحذر المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية والدولية، تيمور دويدار، من أن التطورات الأخيرة تنذر باقتراب مرحلة من «انفلات إدارة الأزمة» بين الأطراف المتنازعة، في ظل الحشد العسكري على الحدود الروسية الأوروبية واتصال الجبهتين الأوروبية والشرق أوسطية.
ويوضح أن التطورات الروسية الألمانية، إلى جانب التحركات العسكرية في بولندا ومنطقة البلطيق ودول شمال أوروبا، تعكس معضلة سياسية وعسكرية متشابكة، مشيراً إلى أن الجبهتين الأوروبية والشرق أوسطية ترتبطان ببعضهما بعضاً، بما يزيد من تعقيد المشهد واحتمالات التصعيد.وأضاف أن التفاوت في القدرات العسكرية بين روسيا من جهة والكتلة الأوروبية، مدعومة بالولايات المتحدة، من جهة أخرى، يجعل الحديث عن حرب تقليدية قصيرة أمراً بالغ الخطورة.
لافتاً إلى أن هذا التفاوت قد يدفع موسكو، في حال تعرضها لضغط عسكري كبير، إلى اللجوء إلى خيارات ردع أكثر خطورة، بما في ذلك أسلحة الدمار الشامل.وشدد على أن استخدام مصطلح «الحرب القصيرة» في هذا السياق قد يرتبط باحتمالات التصعيد النووي، وليس بالضرورة بحسم سريع للصراع.كما يحذر من أن اتساع أزمات الشرق الأوسط، واحتمال امتدادها إلى دول جديدة في حوض البحر الأحمر، قد يفتح مسارات تصعيد متزامنة تهدد الأمن الدولي والبشرية، داعياً إلى احتواء التوتر قبل تحوله إلى مواجهة مفتوحة.وأكد الخبير أن التنبؤ بمسار التطورات الراهنة بات بالغ الصعوبة، حتى بالنسبة إلى المحللين السياسيين، في ظل اقتراب الأطراف من عتبة اشتباك محتمل.
ولفت إلى أن الحشد العسكري المتزايد في بولندا وفنلندا والسويد ودول البلطيق، إلى جانب التحركات في بحر البلطيق والحدود البولندية البيلاروسية، يمثل مؤشراً مقلقاً على استعداد الأطراف لعملية عسكرية محتملة، داعياً إلى احتواء التصعيد قبل أن يتحول إلى مواجهة مفتوحة يصعب السيطرة على تداعياتها.