مع إعلان دولة الإمارات ترشيح معالي لانا زكي نسيبة وزيرة دولة، لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، تتجه الأنظار إلى الآلية التي تحكم اختيار الشخصية التي ستقود المنظمة الدولية خلال السنوات الخمس المقبلة، في عملية تجمع بين قواعد قانونية حددها ميثاق الأمم المتحدة، وتوازنات سياسية تمنح الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن دوراً حاسماً في تحديد هوية الأمين العام الجديد.
ورغم أن الجمعية العامة، التي تضم 193 دولة، تتولى رسمياً تعيين الأمين العام، فإن المرحلة الأكثر تأثيراً تجري داخل مجلس الأمن، حيث يحتاج المرشح إلى تسعة أصوات مؤيدة على الأقل من أعضائه الخمسة عشر، من دون اعتراض أي من الدول الخمس دائمة العضوية باستخدام حق النقض «الفيتو».
من يملك حق الترشيح؟
تحدد المادة 97 من ميثاق الأمم المتحدة القاعدة الأساسية لاختيار الأمين العام، إذ تنص على تعيينه من الجمعية العامة بناءً على توصية مجلس الأمن، ما يجعل العملية مؤلفة من مرحلتين: اختيار المرشح داخل المجلس، ثم إصدار قرار تعيينه من الجمعية العامة.
ووفق القرار 79/327، الذي اعتمدته الجمعية العامة في 5 سبتمبر 2025، تبدأ العملية برسالة مشتركة من رئيس الجمعية العامة ورئيس مجلس الأمن إلى الدول الأعضاء، تدعوها إلى تقديم مرشحيها. وقد انطلقت العملية الحالية رسمياً في 25 نوفمبر 2025.
ويحق لكل دولة عضو ترشيح شخصية واحدة، منفردة أو بالاشتراك مع دول أخرى، مع إمكانية سحب الترشيح وتقديم مرشح بديل. ويتعين على المرشحين تقديم سيرهم الذاتية، وبيانات تتضمن رؤيتهم لمستقبل المنظمة، والإفصاح عن مصادر تمويل حملاتهم.
وشهدت إجراءات الاختيار تطوراً ملحوظاً منذ عام 2016، بعدما أصبحت أسماء المرشحين وبرامجهم معلنة، وأُدخلت جلسات حوار تفاعلية تبث علناً، تتيح للدول الأعضاء وممثلي المجتمع المدني مناقشة المرشحين بشأن مؤهلاتهم وأولوياتهم في قضايا السلم والأمن والتنمية وحقوق الإنسان.
اقتراعات سرية واختبار «الفيتو»
بعد مرحلة الترشيحات، ينتقل السباق إلى مجلس الأمن، الذي يجري سلسلة اقتراعات استرشادية غير رسمية، تسمح لأعضائه بالتعبير عن مواقفهم من كل مرشح، عبر ثلاثة خيارات: «تشجيع» أو «عدم تشجيع» أو «لا رأي».
ولا تمثل هذه الاقتراعات قراراً نهائياً، بل تستخدم لقياس فرص المرشحين، وتحديد مدى استعداد أعضاء المجلس لدعمهم، قبل الانتقال إلى التصويت الرسمي على التوصية.
وفي المراحل المتقدمة، تُستخدم أوراق اقتراع مميزة للدول الخمس دائمة العضوية، وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة، بما يسمح بالتمييز بين مواقفها ومواقف الأعضاء العشرة المنتخبين، من دون الكشف بالضرورة عن هوية كل دولة معترضة.
ويكمن الفارق الجوهري في أن اختيار إحدى الدول دائمة العضوية «عدم التشجيع» خلال الاقتراع الاسترشادي، لا يشكل استخداماً قانونياً لـ «الفيتو»، وإنما يشير إلى احتمال اعتراضها على المرشح عند التصويت الرسمي.
أما عند اعتماد التوصية، فيحتاج المرشح إلى تسعة أصوات مؤيدة على الأقل، شرط عدم تصويت أي دولة دائمة العضوية ضده. ولا يمنع امتناع إحدى هذه الدول عن التصويت اعتماد التوصية، ما دامت الأصوات المؤيدة كافية.
الجمعية العامة تحسم التعيين
بمجرد اتفاق مجلس الأمن على مرشح، يعتمد المجلس قراراً رسمياً بالتوصية بتعيينه، ويحيله إلى الجمعية العامة لإصدار قرار التعيين.
ووفق قرار الجمعية العامة رقم 11 لعام 1946، تكفي الأغلبية البسيطة للدول الحاضرة والمصوتة لإقرار التعيين، ما لم تقرر الجمعية العامة اشتراط أغلبية الثلثين.
وتنص المادة 141 من النظام الداخلي للجمعية العامة على النظر في توصية مجلس الأمن والتصويت عليها سراً في جلسة خاصة، غير أن الممارسة الفعلية استقرت على اعتماد التعيين بالتزكية في جلسات علنية، من دون إجراء اقتراع سري.
وعادة ما يقدم مجلس الأمن اسماً واحداً إلى الجمعية العامة، الأمر الذي يمنحه الدور الأبرز في تحديد هوية الأمين العام المقبل، رغم احتفاظ الجمعية العامة بالاختصاص القانوني لإصدار قرار التعيين.
أعراف سياسية خارج الميثاق
إلى جانب القواعد القانونية، تؤثر اعتبارات جغرافية وسياسية في عملية الاختيار، أبرزها التناوب الإقليمي والتوازن بين القوى الدولية.
ورغم وجود عرف سياسي يراعي التنوع الجغرافي في شغل المنصب، فإن ميثاق الأمم المتحدة لا يفرض تناوباً إلزامياً بين المناطق، كما لا يمنح أي منطقة حقاً حصرياً في تقديم الأمين العام.
وتشجع قرارات الجمعية العامة الدول على ترشيح النساء، في ظل عدم تولي أي امرأة المنصب منذ تأسيس المنظمة عام 1945، لكن اختيار امرأة ليس شرطاً قانونياً للتعيين.
وتبلغ مدة ولاية الأمين العام خمس سنوات قابلة للتجديد، وفق الترتيبات التي أرساها قرار عام 1946، فيما استقرت الممارسة المعتادة على شغل المنصب لولايتين، من دون أن يحدد الميثاق نفسه مدة الولاية.