مع دخول الحرب في قطاع غزة عامها الرابع، تقف خطة السلام التي أقرها مجلس الأمن بموجب القرار 2803 أمام اختبارها الأصعب: الانتقال من وقف القتال إلى بناء ترتيبات سياسية وأمنية وإدارية قابلة للتنفيذ، وفتح الطريق أمام التعافي وإعادة الإعمار، في وقت لا تزال فيه الفجوة واسعة بين ما تنص عليه الخطة وما تحقق فعلياً على الأرض. لم تعد عقدة غزة اليوم مرتبطة فقط بوقف إطلاق النار، بل بما هو أصعب: من يملك السلاح، ومن يملك القرار، ومن يملك حق رسم مستقبل القطاع؟

وهذه الأسئلة وضعت «مجلس السلام» أمام العقدة الأكثر تعقيداً في مساره: سلاح «حماس».فالخطة التي يفترض أن تنقل غزة من الحرب إلى مرحلة الحكم الانتقالي وإعادة الإعمار تربط بين مجموعة خطوات متلازمة: نزع سلاح «حماس»، انسحاب إسرائيلي تدريجي، تشكيل قوة استقرار دولية، قيام إدارة فلسطينية تكنوقراطية، ثم إطلاق عملية إعادة الإعمار على نطاق واسع، لكن هذه السلسلة تعطلت عند الحلقة الأكثر حساسية وهي السلاح.لكن بعد نحو عام من اعتماد الخطة، لا تزال عملية الانتقال تواجه عقبات أساسية؛ إذ أفاد تقرير للأمم المتحدة في سبتمبر بأن اللجنة الوطنية لإدارة غزة لم تتمكن بعد من دخول القطاع لتولي مهامها، فيما لم تنتشر قوة الاستقرار الدولية على الأرض، رغم تقدم التحضيرات الخاصة بها، حيث إن رفض «حماس» التخلي الكامل عن سلاحها يشكل أحد أهم العوائق أمام تنفيذ المرحلة التالية من الخطة، وقد قال مسؤولون في مجلس السلام إن التقدم يعتمد بدرجة كبيرة على معالجة قضية نزع السلاح.

انتقال محفوف بالعقبات

ويتركز التحدي أمام «مجلس السلام» في تحويل الإطار السياسي إلى ترتيبات عملية، خصوصاً في ملفات الأمن، ونزع سلاح الفصائل، والانسحاب الإسرائيلي، وإدارة المعابر، والحكم المدني، وتحديد العلاقة بين الإدارة الانتقالية والجهات الفلسطينية.وتشير وثائق الأمم المتحدة إلى أن خارطة الطريق تربط بين التقدم في ملف نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي التدريجي وبدء إعادة الإعمار في المناطق التي يتم التحقق من استقرارها، مع دور لقوة الاستقرار الدولية في دعم تنفيذ الترتيبات الأمنية وحماية العمليات الإنسانية.غير أن تقرير مجلس السلام نفسه أشار إلى أن المحادثات بشأن خارطة الطريق لم تكن قد اكتملت حتى نهاية فترة التقرير في مايو 2026.

وهنا تظهر معضلة أساسية: فالإعمار يحتاج إلى الأمن، والأمن يحتاج إلى ترتيبات سياسية وعسكرية، بينما يتطلب الانتقال السياسي بدوره وجود مؤسسات فلسطينية قادرة على ممارسة وظائفها داخل القطاع.خطة الـ66 مشروعاًوفي سبتمبر، انتقل «مجلس السلام» خطوة إضافية على مستوى التخطيط، بإعلان «برنامج التعافي في غزة لمدة ستة أشهر»، الذي يضم 66 مشروعاً بكلفة تقديرية تبلغ نحو 2.45 مليار دولار، موزعة على البنية التحتية والتنمية البشرية وتسريع النشاط الاقتصادي والتحول الرقمي والإصلاح القانوني والسلام والأمن.

وتشمل المشروعات إعادة تأهيل المساكن والمستشفيات والطرق وشبكات المياه والكهرباء، وإزالة الأنقاض، واستعادة الخدمات البلدية، ودعم التعليم والصحة والنشاط الاقتصادي.وتبدو الخطة، من حيث حجمها وتنوع مشروعاتها، أقرب إلى خارطة طريق للتعافي الأولي منها إلى برنامج شامل لإعادة إعمار القطاع، إذ قدّر «مجلس السلام» الأضرار المادية بنحو 35.2 مليار دولار، فيما تصل كلفة التعافي وإعادة الإعمار على مدى عقد إلى نحو 71.4 مليار دولار.

غير أن البرنامج نفسه يشترط توافر التمويل وإمكانية الوصول والظروف اللازمة للتنفيذ، وهي عناصر لا تزال مرتبطة مباشرة بالوضع الأمني والترتيبات السياسية.

البعد الفلسطيني

ويظل البعد الفلسطيني أحد أكثر عناصر الخطة حساسية؛ فالقرار 2803 ينص على إدارة انتقالية تشرف على لجنة فلسطينية تكنوقراطية، إلى حين استيفاء السلطة الفلسطينية إصلاحات محددة وتمكنها من استعادة السيطرة على غزة بصورة آمنة وفعالة. كما يربط القرار بين التقدم في إعادة تطوير القطاع وتهيئة مسار مستقبلي لتقرير المصير والدولة الفلسطينية.وبالتالي، فإن نجاح المرحلة الانتقالية لا يتوقف على قدرة «مجلس السلام» وحده، وإنما يرتبط أيضاً بمدى قدرة الأطراف المعنية على الاتفاق حول السلاح، والانسحاب، والمعابر، والإدارة المدنية، ومستقبل السلطة الفلسطينية في القطاع.مستقبل غامضفي هذا الإطار، يرى د. أحمد رفيق عوض، مدير مركز القدس للدراسات المستقبلية، أن مستقبل خطة السلام في غزة لا يزال غامضاً، في ظل ما يصفه بمناورات إسرائيلية وإعادة تفسير متكررة للاتفاقات والقرارات ذات الصلة، بما فيها القرار 2803، بما قد يحد، بحسب تقديره، من قدرة «مجلس السلام» على أداء الدور المنوط به.

ويقول عوض إن إسرائيل تعمل، وفق رؤيته، على إعادة تعريف مضامين وقف إطلاق النار وإعادة الإعمار والمساعدات، وصولاً إلى آليات عمل «مجلس السلام»، معتبراً أن مستقبل الخطة يرتبط بدرجة كبيرة بكيفية ترجمة بنودها إلى إجراءات ميدانية.ويشير إلى أن الإدارة الأمريكية، رغم دورها في صياغة الخطة، لا تبدو، بحسب تقديره، ذات تأثير كافٍ في القرار الإسرائيلي، مضيفاً أن بعض الترتيبات المعلنة قد تبقى محدودة المضمون ما لم تتحول إلى إجراءات فعلية تضمن حرية الحركة والأمن للسكان وتوفر بيئة مناسبة لبدء إعادة الإعمار.

ويرى عوض أن استمرار القيود الأمنية على الدخول والحركة يجعل مسار التعافي وإعادة الإعمار مرتبطاً بدرجة كبيرة بالاعتبارات الأمنية، محذراً من أن استمرار هذا الوضع قد يفرغ الخطة من بعض أهدافها. ويخلص إلى أن مستقبلها بصيغتها الحالية يظل «مجهولاً وغامضاً»، معتبراً أن أي تغير سياسي داخل إسرائيل قد يعيد تشكيل حسابات التنفيذ.

اختبار عملي

من جانبه، يؤكد خبير العلاقات الدولية د. طارق البرديسي أن مرور ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب يضع المؤسسات والهياكل المستحدثة، وفي مقدمتها «مجلس السلام»، أمام اختبار عملي يتجاوز البيانات والخطط إلى قياس النتائج على الأرض.ويرى البرديسي أن استمرار التوتر الميداني يكشف، من وجهة نظره، عن فجوة بين المسارات الدبلوماسية والواقع الإنساني والأمني، معتبراً أن المجلس لم يتجاوز بعد إطار إدارة الأزمة إلى تنفيذ حلول هيكلية قادرة على تغيير الواقع.

ويشير إلى أن التحديات تتمثل في توفير حماية فعالة للمدنيين، وضمان تدفق المساعدات ومواد الإعمار، وتهيئة الظروف الأمنية اللازمة لبدء مشروعات التعافي، لافتاً إلى أن استمرار العقبات الميدانية يحول بعض الخطط إلى تصورات مؤجلة.

ويخلص البرديسي إلى أن الانتقال من إدارة مؤقتة للأزمة إلى عملية تعافٍ حقيقية يتطلب خطوات عملية متزامنة، تشمل تثبيت الترتيبات الأمنية، وتسهيل دخول المساعدات ومواد الإعمار، وتمكين الإدارة الفلسطينية الانتقالية من العمل، بما يسمح بتحويل خطة «مجلس السلام» من إطار سياسي ومجموعة مشروعات إلى واقع ملموس داخل غزة.