طوت بغداد، اليوم الأربعاء، فصلاً عسكرياً امتد لأكثر من عقد، مع اكتمال انسحاب القوات والمعدات الأمريكية وقوات التحالف الدولي من قاعدة أربيل، وإعلان انتهاء المهمة العسكرية لعملية «العزم الصلب» في العراق.وأعلنت وزارة الدفاع الأمريكية رسمياً اختتام المهمة، مؤكدة أن الانسحاب المنظم من قاعدة أربيل، يمثل نهاية المهمة العسكرية للتحالف في العراق.وبينما تقدم الحكومة العراقية الخطوة باعتبارها محطة للسيادة، وتحمّل المؤسسات الوطنية مسؤولية الأمن، تفتح نهاية الوجود العسكري للتحالف الباب أمام مرحلة مختلفة، تتقدم فيها أسئلة الأمن والنفوذ، وقدرة بغداد على إدارة المشهد الداخلي، وحماية حدودها ومصالحها الإقليمية.
ولا يعني انتهاء المهمة العسكرية للتحالف انقطاع العلاقات الأمنية مع واشنطن، إذ جاء مسار الانسحاب في إطار اتفاق أمريكي عراقي للانتقال من مهمة التحالف إلى علاقة أمنية ثنائية طويلة الأمد.كما أكدت الترتيبات المعلنة أن التعاون بين البلدين سيستمر في مجالات الأمن والتدريب ومكافحة الإرهاب.
حماية القرار الأمني للدولة
ويتمثل الاختبار الأول في قدرة الدولة العراقية على سد الفجوات التي كان الوجود الأمريكي يوفرها، خصوصاً في مجالات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع والدعم الجوي.وتزداد أهمية هذا التحدي، مع استمرار وجود خلايا لتنظيم «داعش»، رغم تراجع قدرته على العمل كقوة عسكرية منظمة داخل العراق.
ورغم أن القوات العراقية حققت تطوراً في قدراتها العملياتية، يرى محللون أن مواجهة بقايا «داعش» لم تعد القضية الأمنية الوحيدة، وأن التحدي الأوسع يتمثل في حماية القرار الأمني للدولة، ومنع تحول الأراضي العراقية إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
في المقابل، يبرز ملف الفصائل المسلحة باعتباره أحد أكثر عناصر «اليوم التالي» حساسية. ومع انتهاء الوجود العسكري الأمريكي، قد تتغير موازين الحركة والنفوذ داخل البيئة الأمنية العراقية، في ظل استمرار النقاش حول حصر السلاح بيد الدولة.ويرى خبراء أن قدرة الحكومة على إدارة هذا الملف، ستكون عاملاً مؤثراً في مسار المرحلة المقبلة، وفي مدى قدرة مؤسسات الدولة على الحفاظ على قرار أمني موحد.
مسؤولية أمن دول الجوار
أما إقليمياً، فتتجاوز تداعيات الانسحاب حدود العراق. إذ إن خروج القوات الأمريكية من مواقعها في شمالي البلاد، وما ارتبط بذلك من منظومات وقدرات دفاعية، يفرض على بغداد مسؤولية أكبر في حماية المجال الأمني العراقي، ومنع استخدام أراضيها منصة لتهديد دول الجوار، أو الانخراط في صراعات المنطقة.وقد أثارت التطورات الأخيرة مخاوف في إقليم كردستان من تراجع المظلة الدفاعية الأمريكية، لا سيما في مواجهة الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة.
سد الفجوات
إلى ذلك، ترى د. رشا سهيل الجواري أستاذة العلوم السياسية بجامعة الموصل، أن انتهاء الوجود العسكري الأمريكي في العراق، لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد خروج للقوات، وإنما باعتباره انتقالاً إلى مرحلة جديدة، قد تعيد تشكيل البيئة الأمنية والسياسية داخل العراق وحوله.وتوضح أن اختبار «اليوم التالي» يرتبط أساساً بقدرة الدولة العراقية على سد أي فجوات أمنية محتملة، وتعزيز كفاءة مؤسساتها العسكرية والأمنية، ومنع تحول أي فراغ إلى مساحة نفوذ لأطراف داخلية أو إقليمية.
وتلفت إلى أن انتهاء الوجود العسكري المباشر قد يدفع واشنطن وقوى أخرى إلى إعادة صياغة أدوات تأثيرها في العراق عبر قنوات سياسية وأمنية واقتصادية، بدلاً من الانتشار العسكري.وتشير الجواري إلى أن موقع العراق الجيوسياسي يجعله أحد محاور التنافس الإقليمي والدولي، وبالتالي، فإن إعادة ترتيب الوجود الأمريكي قد تنعكس على موازين النفوذ والعلاقات بين القوى المتنافسة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انتقال النفوذ بصورة تلقائية إلى طرف بعينه.
وتؤكد أن التحدي الأكثر حساسية أمام بغداد، يتمثل في الحفاظ على توازن علاقاتها الخارجية، وتحصين قرارها الوطني، ومنع استخدام أراضيها ساحةً للصراعات الإقليمية والدولية.وترى أن تحقيق ذلك يتطلب رؤية متكاملة للأمن القومي، تتجاوز الاستجابة للتهديدات الآنية، إلى بناء قدرة مؤسسية مستقلة على اتخاذ القرار وإدارة الأزمات.
وتخلص أستاذة العلوم السياسية بجامعة الموصل، إلى أن «اليوم التالي» للانسحاب، سيكون اختباراً لقدرة العراق على تحويل انتهاء الوجود العسكري الأجنبي إلى فرصة لتعزيز مؤسسات الدولة، لا مجرد انتقال من شكل من أشكال النفوذ إلى شكل آخر، مؤكدة أن طبيعة المرحلة المقبلة، ستتحدد بمدى قدرة بغداد على حماية مصالحها، وتحقيق التوازن في علاقاتها الدولية والإقليمية.
اختبار السلاح
بدوره، يرى بسام شكري، خبير التخطيط الاستراتيجي، أن الانسحاب الأمريكي من العراق يفتح أكثر من مسار للاختبار، في مقدمها نوايا الميليشيات المسلحة المرتبطة بإيران على التعامل مع مرحلة غياب القوات الأمريكية، ومدى انعكاس ذلك على الأمن والاستقرار داخل العراق.ويشير إلى أن الاختبار الثاني يتعلق بقدرة الجيش العراقي وقوات الأمن على التعامل مع أي تحركات مسلحة، قد تستهدف الأمن والنظام، مؤكداً أن المرحلة المقبلة ستكشف مدى قدرة المؤسسات الأمنية العراقية على إدارة التحديات، من دون إسناد عسكري أمريكي مباشر.ويؤكد أن هناك احتمالات كبيرة من عودة تنظيم داعش الإرهابي، لا سيما وقد قامت القوى الأمنية السورية قبل أيام بتفكيك شبكة لتنظيم داعش في دمشق.
وقد تقوم إيران بتحريك الدواعش في السليمانية أو كركوك.ويعتقد شكري أن احتمال عودة القوات الأمريكية يظل قائماً في حال شهد العراق تصعيداً كبيراً من جانب إيران أو الفصائل المسلحة، لافتاً إلى أن طبيعة العلاقة الأمنية بين بغداد وواشنطن، قد تسمح بإعادة ترتيب الحضور الأمريكي، وفق تطورات الوضع الميداني.
تداعيات
ويحذر من أن الانسحاب قد يترك تداعيات خاصة على إقليم كردستان، لا سيما في المناطق التي كانت تستفيد من المظلة الأمنية للتحالف، كما يرى أن الجماعات المعارضة لإيران الموجودة في إقليم كردستان، قد تصبح أكثر عرضة للضغوط والهجمات الإيرانية.ويخلص إلى أن أي تحرك إيراني أو تصعيد للفصائل داخل العراق، لن يبقى محصوراً في الداخل العراقي، بل قد ينعكس على المسار التفاوضي بين طهران وواشنطن، وسوف تتعرف واشنطن على نوايا إيران بعد الانسحاب من العراق، وعلى احتمالات اتساع نطاق التوتر في المنطقة.