تشهد الساحة السياسية والدبلوماسية الإقليمية والدولية تطورات عاصفة ومتلاحقة، تصدرتها التقارير الاستخباراتية والإعلامية المكثفة التي كشفت عنها شبكة «سي إن إن» الأمريكية بشأن كواليس الصراع الخفي والعلني قبيل الانتخابات التشريعية الإسرائيلية.

ووفقاً لما نشرته الشبكة الإخبارية واستندت إليه تقارير صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» وصحيفة «يسار هيوم»، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو قد مارس ضغوطاً مكثفة وحثيثة من أجل شن ضربة عسكرية واسعة ومفاجئة ضد المنشآت الحيوية والاستراتيجية الإيرانية قبل موعد الاقتراع الانتخابي الوشيك، بهدف توظيف التوتر العسكري في إعادة رسم خارطة التحالفات الداخلية والهروب من الأزمات المستحقة ومحاكمات الفساد.

غير أن هذه المساعي الإسرائيلية اصطدمت بموقف أمريكي مغاير؛ حيث رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منح الضوء الأخضر الفوري لهذه الهجمات الفردية، مفضلاً التروي والتنسيق المحكم، ومشيراً في المقابل إلى احتمالية التخطيط لعمل عسكري مشترك ومنظم بين واشنطن وتل أبيب في المستقبل القريب لمعالجة الملف الإيراني بشكل حاسم، فضلاً عن التحذيرات الداخلية التي وجهها رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير بشأن تداعيات أي مغامرة عسكرية متسرعة على سير العمليات الانتخابية واستقرار الجبهة الداخلية.

وفي السياق المقابل، سارع مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ومسؤولون بارزون كبار إلى نفي هذه التقارير بوصفها «أخباراً كاذبة» تهدف إلى التأثير المسبق على مسار التصويت، حيث أكدت الحكومة الإسرائيلية أنها لم تكن تنوي شن هجوم استباقي من هذا النوع، مع التشديد على الجاهزية القصوى للرد بقوة ساحقة في حال تعرض إسرائيل لأي عدوان إيراني مباشر.

بالتزامن مع ذلك، تعقدت المشاهد الدبلوماسية الإقليمية بشكل ملحوظ مع وصول وفود رفيعة المستوى وممثلين دبلوماسيين وعسكريين من كل من المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا إلى العاصمة الإيرانية طهران، في حراك مكثف لإجراء محادثات طارئة تهدف إلى نزع فتيل الأزمة واحتواء تداعيات التصعيد الوشيك الذي بات يهدد أمن الاستقرار الإقليمي برمته.

وقد أثارت هذه التطورات موجة واسعة من ردود الفعل المتباينة في وسائل الإعلام الأمريكية والإسرائيلية والعالمية؛ فقد ركز الإعلام الأمريكي، المتمثل في شبكات كبرى مثل «سي إن إن» وصحيفة «نيويورك تايمز»، على حجم الخلافات والتقاطعات الدقيقة بين الحسابات السياسية الضيقة لنتانياهو الرامية للبقاء في السلطة وبين الاستراتيجية الكبرى لإدارة ترامب في الشرق الأوسط، محذرة من أن ترامب رغم دعمه المطلق لإسرائيل إلا أنه يبدي تحفظاً حيال الانجرار إلى حرب مفتوحة غير محسوبة النتائج على أعتاب استحقاقات سياسية حساسة.

وفي المقابل، انقسم الإعلام الإسرائيلي حيال هذه التسريبات؛ إذ اعتبرت صحف معارضة مثل «هآرتس» أن محاولة نتانياهو جر البلاد إلى حرب مع إيران قبيل الانتخابات تمثل «مغامرة ومقامرة بأرواح الجنود ومستقبل الدولة لأسباب شخصية بحتة»، بينما دافعت الدوائر المقربة من اليمين عن حق إسرائيل السيادي في اتخاذ التدابير العسكرية اللازمة لحماية أمنها القومي بغض النظر عن التوقيتات السياسية.

أما على الصعيد الدولي، فقد أعربت عواصم عالمية وأوروبية عن قلقها العارم إزاء هذه المعطيات المتشابكة، معتبرة أن تقاطع الانتخابات الإسرائيلية مع التهديدات المتبادلة بين طهران وتل أبيب والرفض الأمريكي المؤقت للضربة المنفردة يخلقان بيئة شديدة الهشاشة وقابلة للانفجار في أي لحظة.

وفي ظل هذه المعمعة، يبقى مصير المنطقة معلقاً على خيوط دقيقة تمسك بها التوازنات العسكرية والدبلوماسية، بانتظار ما ستسفر عنه صناديق الاقتراع في إسرائيل وما ستؤول إليه المباحثات الإقليمية المكثفة في طهران، لتحديد ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو صدام شامل ومفتوح أم نحو تهدئة مؤقتة ترسم ملامح الشرق الأوسط لسنوات قادمة.