في أرشيف صحافة الحوادث العربية كلمتان أثقل من أي وصف للجرم: «ضدّ مجهول». تُكتب في ذيل الخبر بلا انفعال، وتحمل اعترافاً لا تحتمله المؤسسات ولا يحتمله القرّاء، وهو أن الحكاية انتهت ولم تنتهِ. وعلى هاتين الكلمتين أقامت الحكاية الثانية من مسلسل «القصة الكاملة.. دراما» بناءها كله، لتعود إلى واحدة من أكثر الجرائم غموضاً في تاريخ مصر الحديث، ثم تُطفئ الشاشة دون أن تسمّي قاتلاً.
الوقائع معروفة وقليلة، ففي فجر 29 ديسمبر 2005 استيقظت عزبة شمس الدين التابعة لمركز بني مزار في محافظة المنيا على 10 قتلى في 3 بيوت، رجالاً ونساءً وأطفالاً، ذُبحوا بطريقة واحدة ومُثّل بجثثهم. وبعد أيام أشارت التحرّيات إلى شابّ من أبناء المنطقة في السابعة والعشرين، قيل إنه يعاني اضطراباً نفسياً، فاعترف، وأُحيل إلى المحاكمة بعد إجراءات سريعة. ثم انقلب كل شيء في قاعة المحكمة. حيث برأته جنايات المنيا في سبتمبر 2006، لأن اعترافه بالقتل تحت وطأة المرض تناقض مع تقرير لجنة طبية أكّد سلامة قواه العقلية، ولأن المحكمة لم تقتنع بأن رجلاً واحداً يذبح عشرة في ساعتين ونصف الساعة. وفي 22 ديسمبر 2008 رفضت محكمة النقض طعن النيابة وأيّدت البراءة، فخرج المتّهم الوحيد من القضية، ولم يدخلها أحد بعده.
الحكاية الناقصة
أمام هذا الفراغ كان أمام صنّاع العمل طريقان؛ إما أن يخترعوا قاتلاً يُرضي المشاهد، وإما أن يتركوا الجرح مفتوحاً. فاختاروا الثاني، فجاءت الحكاية سلسلة من الاحتمالات يقلّبها ضابط متخيَّل اسمه أكرم بين سحر أسود، وتجارة أعضاء، ومقبرة فرعونية فُتحت، وذهب مدفون، وكل احتمال يبدو أقرب إلى الحقيقة حتى يأتي الذي بعده. ليخرج المشاهد من الحلقة الثالثة كما دخل الأولى، يعرف عدد الضحايا دون أثر لقاتلهم.
وهنا مربط الفرس؛ فالمشاهد يحتمل القسوة، وقد احتملها في «لعبة جهنم» بكل قتامتها، أما الذي يعسر عليه احتماله فهو النقص. والحكاية الناقصة تؤلم بطريقة لا تؤلم بها الحكاية الفاجعة. هذا الألم أقدم من الدراما نفسها؛ فأرسطو حين وضع في «فنّ الشعر» شروط الحبكة اشترط أن تكون كُلّاً تامّاً له بداية ووسط ونهاية، والنهاية عنده ما يأتي بعد غيره ولا يأتي بعده شيء. والبلاغيون العرب قالوا المعنى نفسه بلغتهم حين جعلوا «حسن الانتهاء» من أركان الصنعة، واشترطوا أن يُختم الكلام بما لا يُبقي للنفس تشوّفاً إلى ما بعده. وكلمة «التشوّف» هذه أدقّ من كثير من مصطلحات علم النفس الحديث، لأنها تصف بالضبط ما يصيب المشاهد حين تنطفئ الشاشة على سؤال مفتوح.
قاس علم النفس هذا التشوّف بعد ذلك بقرون، إذ لاحظ كورت ليفين في عشرينيات القرن الماضي أن نادلاً في مقهى ببرلين يحفظ طلبات الزبائن عن ظهر قلب "ما دامت لم تُدفع"، فإذا دُفع الحساب مُحيت من ذاكرته. فأجرت تلميذته بلوما زيغارنيك تجاربها الشهيرة، وانتهت عام 1927 إلى أن الإنسان يتذكّر المهامّ التي قُطعت قبل اكتمالها أكثر مما يتذكّر المهامّ المنجزة. وصار ذلك يُعرف باسم "أثر زيغارنيك"، ومعناه البسيط أن العقل لا يطوي ملفاً مفتوحاً. وربما يساعد هذا الأثر في تفسير جانب من قدرة القضايا غير المحسومة على البقاء في الذاكرة، في حين طُويت جرائم بشعة عُرف فاعلوها وصدرت فيها أحكام.
الإغلاق المعرفي
وللتشوّف وجهٌ أخطر من الحنين إلى الخاتمة؛ فقد طوّر عالم النفس آري كروغلانسكي مفهوم «الحاجة إلى الإغلاق المعرفي»، في تسعينيات القرن الماضي، ووصف به رغبة الإنسان في أي إجابة قاطعة تخلّصه من الغموض، أياً كانت تلك الإجابة. ولاحظ أن هذه الحاجة تعمل على مرحلتين سمّاهما «الاقتناص» و«التجميد»؛ إذ يقتنص العقل أول تفسير معقول يصادفه، ثم يتجمّد عنده ويغلق الباب في وجه ما يخالفه. وتشتدّ هذه الحاجة تحت الضغط والإرهاق وضيق الوقت، أي في الظروف ذاتها التي يعمل فيها محقّقون بعد مجزرة هزّت بلداً.
وإذا قرأنا مسار بني مزار في ضوء هذا المفهوم تغيّر معنى القضية كلها، كان الرأي العام ينتظر قاتلاً، وجاءت الإجراءات سريعة، واستقر الاتهام على شاب قُدّم بوصفه مضطرباً نفسياً؛ وهي ظروف تجعل مفهوم "الإغلاق المعرفي" عدسة مغرية لقراءة المسار، من دون أن تثبت أن الحاجة إلى إغلاق الملف كانت الدافع الفعلي وراءه، لتصنع "الشهوة إلى الخاتمة" نهاية غير حقيقية.
وهنا يقدّم مفهوم الإغلاق المعرفي عدسة مثيرة لقراءة ما حدث؛ حين يظهر تفسير مبكر قادر على جمع الفوضى في رواية واحدة، يصبح خطر التشبث به أكبر، خصوصاً تحت ضغط الوقت والرأي العام. ولا يعني ذلك أن هذا ما حدث يقيناً في بني مزار، لكنه يفسر كيف يمكن لتحقيق معقد أن يضيق مبكراً حول فرضية واحدة. وأفدح ما في الأمر أن الوقت الذي أُنفق في تثبيت الرواية الأولى هو نفسه الوقت الذي كان سيقتضيه تجميع خيوط الرواية الحقيقية لو بُحث عنها، فلمّا سقطت الأولى لم يبقَ في الأرض أثرٌ يُتتبّع.
ونلاحظ في النهاية أن التعليقات التي تلت العرض لفتت إلى أن التحرّيات أغفلت سِيَر الضحايا أنفسهم، فكل ما قيل عنهم أنهم أناس طيبون عاديون، مع أن التدقيق في ماضي الضحية هو المفتاح الأول في أي قضية جنائية، وأن الاستعجال في الإغلاق ترك الملف خاوياً من المفاتيح، فتعلّق الجميع بأول خيط على وهنه.
النهايات المفتوحة
ولعلّ الأدب أقدر من علم النفس على شرح هذا الجوع، لأنه هو الذي ربّاه فينا. ففي عام 1841 نشر إدغار آلان بو «جرائم شارع مورغ»، وتُعدّ أول قصة بوليسية حديثة، ومعها وُلد صنف أدبي كامل يقوم إغراؤه على وعد الخاتمة؛ جريمة غامضة، ومحقق نافذ البصيرة، وفصل أخير يجمع فيه الخيوط ويشير إلى الفاعل. وقد التقط الشاعر و. هـ. أودن سرّ هذه المتعة في مقالة شهيرة عام 1948، حين رأى أن لذّة القارئ في الرواية البوليسية حنينٌ إلى استعادة البراءة، فالجماعة كلها موضع شبهة، حتى إذا انحصر الذنب في رجل واحد عاد سائر الناس أبرياء كما كانوا. وهذا بالحرف ما حدث في بني مزار، المجزرة لطّخت المكان كله بالريبة، ومعرفة القاتل كانت ستغسله.
وقد جرّب بو نفسه أن يمدّ آلته هذه إلى الواقع، ففي صيف 1841 عُثر على جثة شابة نيويوركية تُدعى ماري روجرز في نهر هدسون، وعجزت الشرطة عن كشف قاتلها، فكتب بو «لغز ماري روجيه»، ونقل الجريمة إلى باريس وأوكل حلّها إلى محقّقه دوبان، واعداً قرّاءه بأن المنطق وحده سيكشف ما عجز عنه المحققون. ولمّا ظهرت لاحقاً روايات جديدة عن ملابسات موتها عاد فعدّل قصته. ومضى ما يقارب قرنين، وبقيت ماري روجرز ضحية ضدّ مجهول.
وفي مقابل هذا التقليد نما في الأدب تقليد آخر يرى في النهاية المغلقة تزويراً لطبيعة الحياة. فقد كتب تشيخوف عام 1888 إلى ناشره سوفورين أن الناس يخلطون بين أمرين؛ حلّ المسألة، وطرحها طرحاً صحيحاً، وأن الثاني وحده واجب الفنان. وعلى هذا المبدأ كتب قصصه، فتنتهي «السيدة صاحبة الكلب» والعاشقان يدركان أن أصعب ما في الطريق قد بدأ للتوّ. ثم جاء أمبرتو إيكو عام 1962 بكتابه «العمل المفتوح» ليجعل من هذا الانفتاح نظرية، فالنص الذي يترك فراغاته عمداً يستدعي القارئ شريكاً في صنع معناه.
ضد مجهول
في الأدب نصّ يكاد يكون صورة مقلوبة لبني مزار؛ ففي «المحاكمة» لكافكا يُقبض على يوزف ك. ذات صباح دون أن يكون قد اقترف شيئاً، ويقضي الرواية كلها جاهلاً بتهمته، ثم يُعدم في الفصل الأخير. هناك متّهم بلا تهمة معلومة، وهنا جريمة بلا متّهم، والقاسم بينهما نظام يحتاج إلى خاتمة أكثر من حاجته إلى حقيقة. وفي تراثنا أقدم حكاية عن ثمن الخواتيم؛ شهرزاد التي نجت من سيف شهريار ألف ليلة وليلة لأنها كانت تقطع الحكاية عند الفجر؛ في «ألف ليلة» كانت النهاية المؤجّلة هي التي تحفظ الحياة، وفي بني مزار كاد استعجال النهاية واشتهاؤها يذهب بحياة رجل بريء.
غير أن للعمل المفتوح ثمناً حين تكون مادّته حقيقية؛ فالقارئ الذي يكمل فراغات رواية يملؤها بخياله، أما المشاهد الذي يكمل فراغات جريمة وقعت فيملؤها بأناس أحياء. وقد عرف العالم ما يفعله المحققون الهواة حين تُفتح لهم القضايا.
بعد تفجير ماراثون بوسطن عام 2013 تجمّع آلاف المستخدمين على منتدى «ريديت» يحلّلون الصور ويتداولون الأسماء، فاتّهموا أبرياء بينهم طالب جامعي مفقود عُثر عليه ميتاً لاحقاً، واضطرت إدارة الموقع إلى الاعتذار علناً. وبني مزار قرية قائمة بأهلها، فيها أسر الضحايا وجيرانهم، وفيها رجل خرج من القضية بحكم نهائي، ثم ظلّت عناوين صحفية تسمّيه «السفّاح» حتى في أخبار براءته. وكل احتمال تعرضه الشاشة عن سحر أو مقبرة أو ذهب يقع في النهاية على أبواب بيوت حقيقية.
ومن هنا تتّضح المسؤولية التي يحملها عمل كهذا، فمقياس قيمته الحقيقي قدرته على أن يحفظ لجملة «ضدّ مجهول» صدقها، وأن يُبقي السؤال مطروحاً طرحاً صحيحاً كما أراد تشيخوف، دون أن يدسّ في فراغاته متّهماً جديداً تتلقّفه المنصّات. وقد تكون هاتان الكلمتان أصدق خاتمة عرفتها القضية: "اعتراف بأن العدالة لم تجد القاتل، وبأنها رفضت على الأقل أن تصنع واحداً. ويبقى للضحايا العشرة دَين لم يُسدَّد، وأقلّ الوفاء به أن نحتمل نقصان حكايتهم بدل أن نكملها بغير الحقيقة.