تتسارع التطورات الاقتصادية والجيوسياسية على الساحة الدولية لتدفع بسوق الطاقة العالمي نحو مرحلة حرجة من عدم اليقين، حيث تصدرت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن فرض حظر محتمل على صادرات الديزل الأمريكية واجهة الأحداث المالية، مخلفة اضطرابات واسعة في الأسواق المحلية والأوروبية على حد سواء.

وتأتي هذه التحركات الأمريكية في وقت يواجه فيه قطاع الطاقة العالمي صدمات متتالية نتيجة استمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران منذ أواخر فبراير الماضي وما ترتب عليها من إغلاق لمضيق هرمز واحتجاز نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية، فضلاً عن استهداف المصافي الروسية وتمديد موسكو لحظر تصدير الديزل.

وفي ظل قفز أسعار الوقود إلى مستويات قياسية قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقررة في نوفمبر المقبل، وجد الرئيس ترامب نفسه تحت ضغوط سياسية وشعبية متصاعدة لمواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة، حيث بلغت أسعار الديزل في الولايات المتحدة ذروتها عند 6.53 دولارات للغالون مقارنة بـ 3.76 دولارات قبل اندلاع حرب إيران، مما دفعه للإعلان جهاراً عن رغبته في التوقف عن بيع الديزل الأمريكي للخارج لغمر السوق المحلية وخفض الأسعار على المواطنين.

ومع كشف التقارير الصحفية عن دراسة إدارة ترامب خطة لفرض حظر على صادرات الديزل لمدة 90 يوماً، انقسمت الإدارة الأمريكية بين مؤيد لهذه الخطوة كخيار سريع للسيطرة على التضخم، وبين محذر من أبعادها العكسية على الاقتصادات العالمية والحليفة.

وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع حراك دبلوماسي أمريكي مكثف؛ إذ تشهد نيويورك مباحثات بين مفاوضين أمريكيين وإيرانيين لبحث خريطة طريق تدريجية لإنهاء الحرب تشمل فتح مضيق هرمز ورفع الحصار الاقتصادي، بالتوازي مع قمة جمعت ترامب بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أثمرت عن موافقة واشنطن على تصنيع صواريخ «باتريوت» داخل أوكرانيا لدعم قدراتها الدفاعية، فضلاً عن زيارة الرئيس الصيني إلى الولايات المتحدة لإعادة رسم التوازنات التنافسية. ورغم أن القمة الأمريكية الأوكرانية والتحركات الدبلوماسية مع طهران وبكين تعكس مساعي واشنطن لتهدئة الجبهات الجيوسياسية وتسهيل التدفقات التجارية، إلا أن تهديدات حظر التصدير أحدثت بالفعل تسبباً حاداً في هيكل أسعار المشتقات النفطية عالمياً، ليعمق من جراح الشركاء الأوروبيين الذين يعتمدون بشكل رئيسي على الديزل الأمريكي لتعويض نقص الإمدادات الشرق أوسطية والروسية.

وفي قراءة سريعة لردود الفعل في الأسواق، كشفت تحليلات الخبراء والمؤسسات المالية عن المخاطر الجسيمة المقترنة بأي حظر أمريكي محتمل. وأوضح المحلل السياسي والاقتصادي في شركة «رايستاد إنرجي» خورخي ليون أن حظر التصدير قد يؤدي على المدى القصير إلى خفض أسعار الديزل داخل الولايات المتحدة نتيجة تراكم المعروض، إلا أن امتلاء خزانات التخزين في ساحل الخليج الأمريكي خلال نحو ثلاثة أسابيع سيجبر المصافي الأمريكية على خفض معدلات التكرير، وهو ما ينعكس سلباً على إنتاج البنزين ووقود الطائرات ويؤدي إلى ارتفاع أسعارها مجدداً.

وفي السياق ذاته، حذر المحللان هيلغي أندريه مارتينسن وتوبياس إنغيبريغتسن من شركة «دي إن بي كارنيغي» من أن هذه الخطوة ستشعل هوامش التكرير العالمية وتدفع أسعار الوقود في محطات التعبئة الأوروبية إلى مستويات خيالية.

وفي إطار متصل، وجه المبعوث الخاص للرئيس الروسي كيريل دميترييف انتقادات حادة للسياسات الأوروبية، مؤكداً عبر منصة «إكس» أن قطاع الطاقة في الاتحاد الأوروبي سيتحمل ضربة قاسية وسيشعر بيروقراطيو بروكلس بأخطائهم بشكل أشد إذا أوقفت واشنطن صادرات الديزل.

وعلى الجانب الأمريكي، حذر وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت مسؤولي كبرى شركات النفط خلال اتصالات خاصة من الاستعداد لفرض قيود صادرات محتملة، رغم تحذيرات القطاع النفطي من أن هذا الحظر سيضر بالاقتصاد العالمي، ويخفض مستويات الإنتاج المحلي.

أما على الصعيد الأوروبي، فقد تجلت آثار الأزمة المزدوجة بسرعة كبيرة في محطات الوقود؛ إذ سجل متوسط سعر الديزل في الاتحاد الأوروبي رقماً قياسياً تاريخياً عند 2.23 يورو للتر وفق بيانات المفوضية الأوروبية، مع تسجيل مستويات قياسية في 19 دولة عضو من بينها ألمانيا وفرنسا وإيطاليا.

ورداً على هذه الضغوط، أعلنت شركة الطاقة الإيطالية «إيني» عن فرض سقف مؤقت لأسعار البنزين والديزل في محطات «إينيلايف» لمدة 30 يوماً قابلة للتمديد حتى نهاية العام، بحد أقصى 2.19 يورو للتر الديزل و1.99 يورو للتر البنزين، مستفيدة من التخفيضات الضريبية للحكومة الإيطالية للتخفيف عن كاهل الأسر والشركات.

وفي برلين، وافق البرلمان الألماني (البوندستاج) على خفض ضريبة الوقود بمقدار 17 سنتاً للتر حتى نهاية ديسمبر المقبل، بناءً على قرار المستشار فريدريش ميرتس لدعم السائقين، مع التخطيط لفرض سقف لأسعار الوقود بحلول يناير 2027 للحد من هامش أرباح شركات النفط. إلا أن هذه الإجراءات واجهت انتقادات حادة من المعارضة الألمانية، حيث وصفت زعيمة كتلة الخضر كاتارينا دروجه خفض الضرائب بـ «الحل الأحمق» الذي يستفيد منه كبار منتجي النفط دون أن يصل كاملاً للمستهلكين.

وقد أفردت الصحافة الاقتصادية العالمية مساحات واسعة لمتابعة تداعيات الأزمة ورصد تفاصيلها الحساسة؛ إذ أفادت صحيفة «بوليتيكو» الأمريكية بأن إدارة ترامب تدرس وضع خطة حظر تصدير الديزل لمدة 90 يوماً لتهدئة الأسواق المحلية قبل الانتخابات.

ورصدت وكالة «رويترز» تراجع عقود الديزل الأمريكية الآجلة بأكثر من 5 بالمئة فور تداول أنباء الحظر، إلى جانب انخفاض أسعار النفط الخام مع بروز آمال التوصل لهدنة بين واشنطن وطهران، رغم استمرار المخاطر الأمنية وتلقي السعودية ضربات صاروخية حوثية استهدفت ينبع والطائف.

ومن جانبها، أبرزت وكالة «بلومبرغ» التباين الصارخ في أسواق الوقود، مشيرة إلى أن الفارق بين سعر الديزل وخام برنت في أوروبا قفز إلى أكثر من 95 دولاراً للبرميل، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2011، مما يضغط على البنوك المركزية لكبح التضخم.

ونقلت وكالة «فرانس برس» عن شركة الاستشارات «بيرسينغيكو» تقديراتها بأن حظر التصدير الأمريكي قد يرفع سعر لتر الديزل في فرنسا إلى نحو 3.90 يورو (4.40 دولارات).

كما نشرت وكالة الأنباء الرسمية الإيطالية والألمانية تفاصيل التخفيضات الضريبية وسقوف الأسعار المتخذة في روما وبرلين لمواجهة تبعات إغلاق مضيق هرمز وتأثر سلاسل التكرير. وفي تقرير خاص لمنظمة «النقل والبيئة» (T&E)، كشفت البيانات عن أن ارتفاع أسعار الوقود كلف الاتحاد الأوروبي نحو 53 مليار يورو بزيادة يومية تبلغ 270 مليون يورو، استحوذ الديزل على 40 مليار يورو منها، متسبباً في إضافة 142 يورو لتكلفة تشغيل السيارة المتوسطة.

وفي أنقرة، توقع بنك «جيه.بي مورجان» عبر تقرير نقلته رويترز أن يخفض البنك المركزي التركي أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس رغم ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة أسعار المستهلكين بنسبة 6 بالمئة في قطاع الطاقة خلال سبتمبر.

تظهر التحليلات الشاملة أن التهديدات الأمريكية بحظر تصدير الديزل، وإن كانت نابعة من حسابات انتخابية محلية حادّة لإنقاذ شعبية الحزب الجمهوري، إلا أنها تصطدم بواقع اقتصادي عالمي شديد التعقيد والتداخل.

ورغم النجاحات الدبلوماسية المبدئية التي حققتها قمة ترامب وزيلينسكي والمؤشرات الإيجابية المتبادلة في مفاوضات نيويورك بين واشنطن وطهران، فضلاً عن ترتيب العلاقات الاقتصادية مع بكين، فإن استمرار إغلاق مضيق هرمز وتعطل القدرات التكريرية الأوروبية يجعل من أي قرار أمريكي بمنع التصدير بمثابة شرارة لأزمة طاقة عالمية جديدة.

وإذا ما واصل ترامب تنفيذ هذه التهديدات، فإن الاقتصادات الأوروبية ستكون المتضرر الأكبر وسط ارتفاع مستويات التضخم ومحدودية خيارات البدائل، مما يقوض التحالفات الأطلسية ويفرض على الدول المستهلكة التوسع في إجراءات الدعم الحكومي والتدخل المباشر لتثبيت الأسعار، حمايةً لاقتصاداتها من التآكل الهيكلي والانهيار المالي.