دبي - محمود حسن

تواجه الأسواق العالمية أزمة طاقة هيكلية حادة، مع تسجيل أسعار وقود الديزل في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي قفزات تاريخية غير مسبوقة خلال شهر سبتمبر الجاري.

ووفقاً لأحدث البيانات الاقتصادية ارتفعت الأسعار بنسب تتراوح بين 40 % في أوروبا، و65 % في أمريكا مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، ما فرض ضغوطاً تضخمية هائلة، وشل حركة قطاعات الشحن والخدمات اللوجستية والزراعة حول العالم.

المشكلة أن الديزل مختلف عن البنزين بالنسبة للاقتصاد، فالمستهلك يرى البنزين مباشرة عند محطة الوقود، لكن تكلفة الديزل تنتقل بصورة غير مباشرة إلى أسعار الشحن والغذاء والزراعة والتجزئة والتدفئة، ولذلك يتوقع خبراء ظهور صدمة «تضخم» جديدة تضرب الاقتصاد العالمية خلال الفترة المقبلة.

ورغم أن أسعار الخام، التي ارتفعت بنحو 20 % في سبتمبر، تراجعت في الأيام الثلاثة الماضية، ما زال برميل خام برنت، المؤشر الدولي، يتجاوز 100 دولار، مدفوعاً بضربات جيوسياسية متلاحقة في الممرات المائية الحيوية ومصافي التكرير العالمية، حيث ارتفع سعر خام برنت بأكثر من 13 دولاراً خلال 20 يوماً.

الخطر الاقتصادي الحقيقي هو أن الديزل لا يبقى عند المضخة. إنه يدخل إلى الشاحنة، ثم إلى تكلفة الشحن، ثم إلى رف المتجر، وأخيراً إلى فاتورة المستهلك، وإذا بقي فوق 6 دولارات لفترة طويلة، فقد تتحول أزمة الوقود من مشكلة لوجستية إلى مصدر جديد للتضخم وضغط مباشر على أرباح الشركات والاستهلاك والنمو.

أمريكا

سجلت أسعار وقود الديزل في الولايات المتحدة قفزة تاريخية غير مسبوقة، حيث تجاوز متوسط سعر الغالون حاجز الـ 6 دولارات ليصل إلى نحو 6.49 دولارات في منتصف سبتمبر الجاري، وسط تحذيرات من انعكاسات حادة على قطاعات الشحن، الزراعة، والسلع الاستهلاكية.

وتأتي هذه الطفرة السعرية مدفوعة بـتفاقم التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط واضطراب تدفقات الطاقة في مضيق هرمز، ما تسبب في إزالة نحو 20 % من إمدادات الديزل المنقولة بحراً.

وتزامن ذلك مع تراجع حاد في المخزونات العالمية والمحلية إلى مستويات حرجة، وبقاء أسعار النفط الخام متداولة فوق مستويات الـ 100 دولار للبرميل.

وتتفاوت حدة الأزمة بين الولايات الأمريكية؛ إذ تصدرت ولاية كاليفورنيا القائمة بأسعار قياسية تجاوزت 8 دولارات للغالون في بعض محطات الوقود ووصوله إلى 8.35 دولارات للغالون.

الارتفاع المتواصل في الأسعار لم يعد مجرد أرقام على لوحات محطات الوقود، بل تحول إلى عبء معيشي يومي، وبحسب مؤشر تتبع التكاليف الصادر عن جامعة براون تكبد الأمريكيون أكثر من 46 مليار دولار كجزء من كلفة إضافية منذ بدء النزاعات الجيوسياسية الحالية في الشرق الأوسط وتأثر مصافي التكرير، ما يعادل عبئاً مالياً إضافياً يناهز 350 دولاراً لكل أسرة أمريكية.

أوروبا

سجلت أسعار البنزين والديزل في الاتحاد الأوروبي مستويات قياسية هذا الأسبوع، وفقاً للمفوضية الأوروبية. ويعزى ذلك جزئياً إلى هوامش التكرير - أي تكلفة تحويل النفط الخام إلى وقود - وقد تبقى الأسعار مرتفعة، إذ يتوقع خبراء البنك المركزي الأوروبي، بحسب يورونيوز، أن تبلغ هوامش الديزل ذروتها في أكتوبر فقط.

تفاوتت الأسعار بشكل كبير في أنحاء الاتحاد الأوروبي. كان البنزين الأرخص في مالطا، بسعر 1.34 يورو للتر، والأغلى في الدنمارك، بسعر 2.56 يورو، أما الديزل فتراوح سعره بين 1.21 يورو للتر في مالطا، و2.51 يورو في فنلندا.

ولم يسبق أن بلغت تكلفة تعبئة خزان وقود السيارة هذا المستوى في المتوسط ​​في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي، وفقاً لبيانات المفوضية الأوروبية التي يعود تاريخها إلى أكثر من عقدين.

وبحسب أحدث متوسطات الأسعار تبلغ تكلفة تعبئة خزان سعة 50 لتراً بالبنزين حوالي 103 يورو، بينما تبلغ تكلفة تعبئة خزان سعة 50 لتراً بالديزل حوالي 108 يورو.

ارتفعت أسعار الوقود بالتجزئة بشكل حاد منذ اندلاع حرب إيران، ما زاد من الضغوط التضخمية، وارتفع معدل التضخم في قطاع الطاقة بمنطقة اليورو إلى 14.3 % بنهاية أغسطس، مقارنة بـ 10.3 % في يوليو، وفقاً للبنك المركزي الأوروبي.

وبلغ المعدل المرجح للمفوضية الأوروبية مستوى قياسياً عند 2.15 يورو للتر، وقادت دول الشمال والغرب الأوروبي الارتفاعات؛ حيث تراوحت الأسعار في فنلندا وألمانيا والدنمارك بين 2.40 و2.51 يورو للتر، بينما سجلت فرنسا 2.41 يورو للتر وسط مخاوف حكومية من اضطرابات اجتماعية.

هذا وتشير مصادر حكومية في برلين أن الحكومة الألمانية توصلت، الجمعة، إلى اتفاق مبدئي بشأن إجراء خصم على أسعار الوقود وتحديد سقف لها، بهدف تخفيف عبء ارتفاع أسعار الوقود على سائقي السيارات.

وقالت المصادر إنه من المقرر خفض الضريبة على البنزين والديزل فعلياً بمقدار 17 سنتاً (0.20 دولار)، وذلك عقب مفاوضات بين الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات بشأن أزمة أسعار الوقود.

ويأتي الاتفاق قبل يومين من انتخابات رئيسية في ولاية مكلنبورج-فوربومرن شمال شرق ألمانيا ومدينة برلين يوم الأحد المقبل.

كما ذكر رئيس وزراء اليونان كيرياكوس ميتسوتاكيس، أمس ، أن بلاده يمكن أن تدرس تقليصاً مؤقتاً لضرائبها المرتفعة المفروضة على الوقود في ظل أزمة غلاء المعيشة، شريطة حصولها على موافقة الاتحاد الأوروبي. وأضاف أن ذلك سيبقي التكلفة الأولية للتر الواحد أقل من 1.75 يورو.

وكتب رئيس الوزراء «حتى إذا كان لدى حكومة الدعم المالي فإن حجم المشكلة يجعل وجود مبادرة أوروبية أمراً ضرورياً وأصر على ذلك.

وإذا سمح الاتحاد الأوروبي بتدخلات وطنية استثنائية، التي لن يتم حسابها في سقف الإنفاق يمكن أن ندرس تقليصاً مؤقتاً في الضرائب على الوقود». تقدم الحكومة المجرية مدفوعات نقدية لعدد من سائقي السيارات في البلاد لمساعدتهم على مواجهة الارتفاع الحاد في أسعار الوقود، وسط حرب إيران.

وبموجب مرسوم حكومي تم نشره، الجمعة، في الجريدة الرسمية المجرية، سيحصل أصحاب مركبات الديزل التي تقل قوة محركاتها عن 150 حصاناً على 5000 فورنت مجري (15.7 دولاراً) شهرياً، وذلك من سبتمبر إلى ديسمبر.

وارتفعت أسعار الوقود بشكل حاد في المجر منذ بداية حرب إيران في فبراير، ويبلغ متوسط سعر لتر البنزين (أوكتان 95) نحو 1.77 يورو (1.90 دولار) في معظم محطات الوقود، بينما يصل سعر لتر الديزل إلى 1.90 يورو.

واشنطن تدرس تقييد صادرات الديزل

تدرس واشنطن الحد من صادرات بعض المنتجات النفطية، وعلى رأسها الديزل، في ظل ضغوط سياسية متزايدة قبيل انتخابات التجديد النصفي، بحسب «وول ستريت جورنال».

وتجاوز متوسط سعر الديزل الأمريكي 6 دولارات للغالون للمرة الأولى، مع اقتراب موسم الحصاد والتدفئة. ويأتي ذلك وسط اضطرابات في قطاع التكرير، بسبب حرب إيران والحرب الروسية - الأوكرانية، ما قلص إمدادات المنتجات المكررة، بعد قرار روسيا حظر التصدير، ما دفع أوروبا وآسيا إلى زيادة الاعتماد على الديزل الأمريكي.

وتتمثل الفكرة وراء فرض قيود على الصادرات في إبقاء مزيد من الديزل داخل الولايات المتحدة لزيادة المعروض المحلي، والحد من الأسعار، وقد تتخذ القيود شكلاً جزئياً، مثل خفض الكميات المسموح بتصديرها بنسبة محددة، أو ربط الصادرات بمستويات المخزونات.

بحيث تتراجع الكميات المصدرة عندما تهبط المخزونات المحلية إلى مستويات معينة، كما قد تكون الإجراءات مؤقتة لتجنب اضطرابات أوسع في السوق.

لكن صادرات الديزل ليست فائضاً يمكن حجبه بسهولة، بل مصدراً مهماً للجدوى الاقتصادية، التي تدفع المصافي الأمريكية إلى الحفاظ على معدلات إنتاج مرتفعة، فمن أصل أكثر من 5.5 ملايين برميل يومياً تنتجها المصافي من الديزل والديزل المتجدد تُصدَّر نحو 1.7 مليون برميل يومياً، أي قرابة ثلث الإنتاج.

وإذا فقدت المصافي القدرة على تصريف هذه الكميات في الأسواق الخارجية بأسعار مجزية، فقد يصبح تشغيلها بمعدلات مرتفعة أقل جاذبية اقتصادياً، ما يعني أن تقييد الصادرات قد يؤدي في نهاية المطاف إلى خفض الإنتاج بدلاً من زيادة المعروض المحلي.

وتُظهر بيانات صادرات الديزل الأمريكي أن أمريكا اللاتينية كانت الوجهة الأكبر في 2025 بحصة 37 %، فيما استحوذت أوروبا على 22 %، لكن الصادرات إلى أوروبا تضاعفت في 2026 إلى نحو 396 ألف برميل يومياً، مع اشتداد الطلب وشح الإمدادات. 

46

مليار دولار تكبدها الأمريكيون (350 دولاراً لكل أسرة)

14.3 %

معدل التضخم في قطاع الطاقة بمنطقة اليورو بنهاية أغسطس

13

دولاراً ارتفاع سعر خام برنت خلال 20 يوماً في سبتمبر

اليونان تدرس خفض الضرائب على الوقود.. والمجر تقدم مساعدات نقدية لمواجهة غلاء الوقود