كيف تصبح مليونيراً في دبي؟ سؤال صار يتكرر عبر محركات البحث على الإنترنت، فاسم المدينة بات مرتبطاً بالثروة والاستثمار وصناعة الفرص.

وعلى أرض الواقع سجلت دبي خلال العقد الماضي نمواً في أعداد أصحاب الملايين تجاوز 100%، متفوقةً في وتيرة النمو على لندن وسنغافورة وهونغ كونغ.

حيث باتت تضم اليوم نحو 81200 مليونير و20 مليارديراً، وبمجرد أن تقول إن هناك مكاناً في العالم ارتبط أكثر من غيره بفكرة «صناعة الثروة»، فإن اسم دبي هو أول ما يتبادر إلى الأذهان مباشرة.

وما يميز المدينة ليس وجود الأثرياء فيها فحسب، بل قدرتها على إقناع ملايين الأشخاص بأن الثراء هدف قابل للتحقيق وليس حلماً بعيد المنال.

فخلال زمن قياسي جداً، امتد خلال العقد الماضي، تحولت دبي من مركز تجاري وإقليمي إلى منصة عالمية لريادة الأعمال والاستثمار والاقتصاد الرقمي. واليوم باتت تستقطب رواد أعمال ومستثمرين ومهنيين من أكثر من 200 جنسية، يجمعهم عامل مشترك واحد:

الرغبة في تحسين أوضاعهم المالية وبناء ثرواتهم.. «البيان» حاورت ثلاثة من خبراء المال والأعمال، فماذا قالوا عن دبي مدينة تحقيق الأحلام؟

منظومة الثراء والنجاح

طارق شبيب

يقول طارق شبيب، الرئيس التنفيذي لشركة «كابيتال دوت كوم» في الشرق الأوسط: «تشير البيانات الرقمية العالمية إلى ارتباط مدينة دبي ارتباطاً وثيقاً بعمليات البحث اليومية عن الثراء والنجاح المالي، وتحديداً عبارات مثل «كيف أصبحت مليونيراً في دبي؟».

، ما يعكس مكانتها العالمية وجهة أساسية للاستثمار، والعقارات، وريادة الأعمال، والهجرة الاستثمارية. كما أن الكم الهائل من المحتوى الرقمي المتعلق بتحقيق الثروة في دبي - سواء على منصات التواصل الاجتماعي أو يوتيوب أو محركات البحث - يعكس حجم الاهتمام العالمي بهذه الفكرة.

والأهم من ذلك أن دبي لا تبيع «وهم الثراء السريع»، بل تتيح منظومة اقتصادية تجعل فرص النجاح أكبر مقارنةً بأسواق أخرى؛ حيث الضرائب المنخفضة، وسهولة تأسيس الأعمال، مروراً بالانفتاح على الاستثمار، وصولاً للبنية التحتية العالمية المستوى.

وعن مقارنة دبي بمدن الثروة العالمية، مثل لندن وسنغافورة وهونغ كونغ، يقول شبيب: تاريخياً، كانت لندن وهونغ كونغ وسنغافورة تمثل المراكز التقليدية لتراكم الثروات العالمية. لكن ما نشهده اليوم هو انتقال تدريجي لمركز الثقل نحو دبي..

صحيح أن سنغافورة ما زالت تتفوق من حيث حجم الثروة الخاصة وعدد أصحاب الملايين المقيمين فيها، وتحتفظ لندن بمكانتها مركزاً مالياً عالمياً رغم الضغوط الضريبية والتنظيمية المتزايدة، ولا تزال هونغ كونغ بوابة مهمة لآسيا والصين، إلا أن دبي تتفوق في عنصر آخر بالغ الأهمية هو:

سرعة النمو واستدامته؛ فحسب تقرير Henley & Partners عن المدن الأكثر ثراءً في العالم، ارتفع عدد أصحاب الملايين في دبي بنسبة تجاوزت 100% خلال العقد الماضي، وهي من أعلى معدلات النمو بين المدن العالمية الكبرى.

كما تضم اليوم أكثر من 81 ألف مليونير ونحو 20 مليارديراً، مع توقعات باستمرار النمو خلال السنوات المقبلة.

وهذا يؤكد أن دبي ليست مجرد وجهة راسخة للثروات، بل إنها واحدة من أسرع المنصات نمواً في العالم لخلق الثروات الجديدة، ومن أكثر المراكز العالمية نشاطاً في توليدها، وصارت مرتبطة رقمياً بفكرة المال وصناعة الثروة أكثر من المدن العالمية التي ذكرناها.

فعندما يُذكر اسم لندن رقمياً، فإنه يرتبط غالباً بالخدمات المالية التقليدية والمصارف والأسواق العالمية، وأما سنغافورة فترتبط بالتكنولوجيا والاستثمارات الآسيوية وإدارة الثروات، وترتبط هونغ كونغ بالسوق الصينية والتجارة الدولية، أما دبي فقد نجحت في بناء صورة رقمية مختلفة وأكثر شمولاً.

فهي ترتبط في الوقت نفسه بالعقارات والاستثمار وريادة الأعمال والاقتصاد الرقمي والأصول الافتراضية ونمط الحياة الفاخر؛ ما جعلها تحظى بحضور رقمي استثنائي في المحتوى المتعلق ببناء الثروة الفردية.

فالمحادثة الرقمية حول دبي لا تقتصر على «إدارة الثروات»، بل تشمل أيضاً «صناعة الثروة» و«تحقيق المليون الأول» و«بدء مشروع تجاري» و«الاستثمار العقاري» و«التداول» و«الاقتصاد الرقمي».

مسارات الثروة في دبي

لا توجد وصفة واحدة للثراء في دبي، يقول شبيب ثم يستدرك: «لكن الخبرة الاقتصادية تشير إلى وجود مسارات رئيسة؛ أولها ريادة الأعمال وتأسيس الشركات، وهو الأكثر تأثيراً على المدى البعيد، فمع السماح بالملكية الأجنبية الكاملة في قطاعات عدة، ووجود أكثر من 50 منطقة حرة متخصصة، أصبحت دبي واحدة من أفضل البيئات العالمية لإطلاق الأعمال الجديدة.

أما المسار الثاني فهو العقارات، وهو الأكثر شيوعاً والأقل تعقيداً بالنسبة للمستثمرين الأفراد. وما يميز دبي هو الجمع بين العائد الإيجاري الجاذب وإمكانية تحقيق مكاسب رأسمالية على المدى الطويل، ولهذا أصبح القطاع العقاري أحد أهم أدوات بناء الثروة للأفراد وأصحاب الأعمال والعائلات الاستثمارية.

كما أن المدينة تصدرت عالمياً مبيعات العقارات الفاخرة فوق 10 ملايين دولار خلال السنوات الأخيرة. وثالث المسارات هي الأسواق المالية والتداول، وهو ما يتطلب معرفة وخبرة وانضباطاً عالياً.

وقد أصبحت دبي والإمارات عموماً من أبرز مراكز التداول الرقمي في المنطقة، مدعومتين بأطر تنظيمية متقدمة وبنية مالية حديثة. وتُظهر البيانات أن اهتمام الأفراد بالتداول والاستثمار المالي في نمو مستمر.

كما توفر الأسواق المالية فرصاً حقيقية لبناء الثروة وتنميتها، إلا أن النجاح فيها يستند إلى المعرفة والانضباط وإدارة المخاطر بوعي ومسؤولية. فهي أسواق معقدة بطبيعتها وليست مناسبة لجميع المستثمرين، وينبغي ألا نتعامل معها باعتبارها وسيلة سريعة لتحقيق الثراء.

كما تفتح الأصول الرقمية والتكنولوجيا المالية آفاقاً واسعة للنمو، مستفيدةً من البيئة التنظيمية المتقدمة التي أرستها دبي، غير أنها تتطلب فهماً عميقاً وخبرة متخصصة وقدرة مدروسة على تحمّل المخاطر المصاحبة لها.

إلا أن أهم ما يميز دبي أنها لم تبنِ اقتصاداً قائماً على قطاع واحد، بل على منظومة متكاملة تسمح بخلق الثروة عبر مسارات متعددة.

مدينة المليونيرات

فيجاي فاليشا

أما فيجاي فاليشا، الرئيس التنفيذي للاستثمار في «سنشري فايننشال» فيقول: صارت دبي مدينة تحوّل طموح بناء الثروة إلى فرصة ملموسة.

ويقدّر أحدث تقرير للثروة العالمية الصادر عن «يو بي إس» للعام الجاري أن عدد أصحاب الملايين بالدولار الأمريكي في الإمارات بلغ 183.000 شخص، مع تكوّن 6277 مليونيراً جديداً في عام 2025 وحده.

وبلغ إجمالي ثروات أصحاب الملايين نحو 814 مليار دولار، في حين ارتفع متوسط الثروة لكل بالغ بنحو 25% تقريباً بين عامي 2020 و2025. وتعكس هذه الأرقام مدى سرعة توسع منظومة الثروة في الدولة.

كما تقدّر «هينلي آند بارتنرز» أن المدينة تضم حالياً 20 مليارديراً، ونحو 81200 مليونير، من بينهم 237 من أصحاب الثروات التي تتجاوز 100 مليون دولار. كما استقطبت الإمارات نحو 9800 مليونير انتقلوا إليها في عام 2025، في أكبر صافي تدفق على مستوى العالم، اختار معظمهم دبي وجهة لهم.

ويضيف فاليشا: لكن الأهم أن دبي تهيئ بيئة تتيح للأفراد المشاركة في صناعة الثروة عبر ريادة الأعمال والاستثمار والعقارات.

وخلال النصف الأول من العام الجاري أصدرت دبي 58337 رخصة تجارية، وتجاوز عدد معاملات الترخيص 230000 معاملة.

ويمثل القطاع العقاري قناة رئيسة أخرى لبناء الثروة؛ إذ بلغت قيمة المعاملات 252 مليار درهم في الربع الأول من العام الجاري بزيادة 31% على أساس سنوي، وبلغت الاستثمارات 173 مليار درهم، ووصل عدد المستثمرين الجدد إلى 29312 مستثمراً بزيادة 14%.

وهذه المؤشرات مجتمعة توضح لماذا أصبحت دبي مرتبطة بقوة بصناعة الثروة؛ فرؤوس الأموال تتدفق إليها، والشركات تتأسس فيها، والفرص الاستثمارية تتسع، ما يجعل الطموح بالوصول إلى أول مليون أكثر قابلية للتحقق.

ومن المتوقع أن تسجل الإمارات أحد أكبر تدفقات أصحاب الملايين في العالم هذا العام، مع توقع انتقال نحو 9800 مليونير إليها هذا العام، ومن المرجح أن تستحوذ دبي على الحصة الكبرى من هذا التدفق، في حين تأتي الولايات المتحدة في المرتبة التالية، مع تدفق متوقع بنحو 7500 مليونير.

المشهد الرقمي

ويؤكد فاليشا أن المشهد الرقمي في دبي يوفر مسارات عدة لبناء الثروة، وتأتي العقارات في مقدمة الخيارات الأكثر قابلية للاستمرار، وإن كانت تمثل استراتيجية لبناء الثروة على المدى الطويل أكثر من كونها وسيلة سريعة لتحقيق الثراء.

فقد بلغت عوائد الإيجارات السكنية في دبي نحو 6.3 - 7% في أبريل الماضي، مع تسجيل مناطق تتركز فيها الشقق، مثل قرية جميرا الدائرية ومجمع دبي للاستثمار، عوائد عليا. كما يعزز غياب الضريبة على العقارات جاذبية هذا الاستثمار؛ ما يجعل العقارات وسيلة مستقرة نسبياً لبناء الثروة على المدى الطويل.

كما تبرز ريادة الأعمال أيضاً باعتبارها أحد المجالات التي يتجلى فيها نمو دبي بوضوح؛ فقد أضافت غرفة تجارة دبي 71830 شركة جديدة إلى عضويتها في عام 2025، ليرتفع إجمالي عدد الأعضاء النشطين إلى 292486 عضواً، مقارنة مع 258318 عضواً في العام السابق، بزيادة بلغت 13.2%.

في حين سجلت صادرات الأعضاء وإعادة صادراتهم مستوى قياسياً بلغ 356.5 مليار درهم، أو نحو 97 مليار دولار، خلال العام الماضي، بزيادة تجاوزت 15% مقارنةً مع عام 2024. وأسهم الجمع بين الملكية الأجنبية بنسبة 100% وعدم فرض ضريبة على الدخل الشخصي في تعزيز جاذبية دبي لرواد الأعمال.

سهى نشأت

من جانبها، تقول سهى نشأت، الرئيسة التنفيذية لـ «إيه إف جي إنترناشونال» في الشرق الأوسط: نجحت دبي في ترسيخ نموذج عالمي يقوم على الطموح والانفتاح الاقتصادي وتوفير الفرص النوعية.

وغالباً ما تُقدَّم المدينة بوصفها وجهةً عالمية جاذبة للكفاءات ورواد الأعمال الراغبين في تأسيس أعمالهم والاستفادة من الفرص التي تتيحها القطاعات سريعة النمو. وقد لاقت هذه المقوّمات صدىً واسعاً لدى جيل جديد من رواد الأعمال، وأصحاب الأعمال الرقمية، والمهنيين الدوليين.

وتتجلى جاذبية دبي أيضاً في حجم الثروات التي تستقطبها، إذ ارتفع عدد أصحاب الملايين فيها بأكثر من الضعف خلال العقد الماضي ليتجاوز 80 ألف شخص، حسب «هينلي آند بارتنرز» و«أرايبيان بزنس».

وتعكس توجهات عملائنا تزايد الاهتمام بدبي باعتبارها وجهة جاذبة ومفضّلة للإقامة والاستثمار من قبل الأفراد والعائلات من مختلف أنحاء العالم.

ولا يقتصر ما يجذب المستثمرين والمقيمين إلى دبي على بيئة الأعمال المتطورة والربط العالمي الذي توفره، بل يمتد أيضاً ليشمل الفرص المتاحة لتأسيس الشركات وتنمية الاستثمارات في قطاعات واعدة والمشاركة في أحد أكثر الاقتصادات مرونة في العالم.

كما يمنح نمط الحياة الذي توفره دبي ميزةً تنافسية مقارنةً بمراكز مالية عالمية أخرى مثل لندن وسنغافورة، حيث تُعد عوامل مثل الأمن، وجودة الحياة، والبنية التحتية المتقدمة، والكفاءة الضريبية من أبرز عناصر الجاذبية والتميّز.

منظومة متكاملة

وتضيف نشأت: نرى أن دبي لم تكتفِ بتهيئة بيئة أعمال جاذبة، بل استثمرت بشكل كبير في بناء منظومة متكاملة تدعم تكوين الثروات وإدارتها.

ويضم مركز دبي المالي العالمي اليوم أكثر من 1100 شركة مالية مرخصة، ونحو 600 شركة لإدارة الثروات والأصول.

إضافة إلى أكثر من 1400 كيان مرتبط بالمكاتب العائلية والثروات العائلية، وذلك حسب مركز دبي المالي العالمي؛ ما يعكس عمق البنية المالية والاستشارية التي تتمتع بها الإمارة.

كما استفادت قطاعات رئيسة، مثل الخدمات المالية والتكنولوجيا والعقارات، من النمو السكاني المتواصل، وتزايد تدفقات رؤوس الأموال، والتحولات الهيكلية التي يشهدها الاقتصاد العالمي.

وفي مقدمتها التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. وإلى جانب ذلك، يسهم الموقع الجغرافي والاستراتيجي لدبي - الذي يربط بين أوروبا وآسيا وأفريقيا - في تعزيز قدرة الشركات على الوصول إلى قاعدة أوسع من العملاء والأسواق مقارنةً بما تتيحه عملياتها الإقليمية وحدها.