في الوقت الذي تعبر فيه آلاف الطائرات الأجواء يومياً على ارتفاعات شاهقة وبمسافات فصل دقيقة، يعتمد جزء كبير من سلامة الحركة الجوية على رقم واحد يوحّد قراءات أجهزة قياس الارتفاع لدى الطيارين حول العالم: 29.92 بوصة زئبق (1013.25 هكتوباسكال).

ويُعد هذا الإجراء أساس نظام "مستويات الطيران" الذي ينظم حركة الطائرات في الطبقات العليا من المجال الجوي ويضمن الحفاظ على مسافات آمنة بينها.

ويشرح خبراء الطيران أن مقياس الارتفاع في الطائرة لا يقيس الارتفاع بشكل مباشر، بل يعتمد على ضغط الهواء ويحوّله إلى قراءة بالقدم وفق معايير الغلاف الجوي القياسي الدولي.

ونظراً لتغير الضغط الجوي باستمرار تبعاً للأحوال الجوية، يستخدم الطيارون قرب سطح الأرض إعداد الضغط المحلي المعروف باسم "QNH" للحصول على الارتفاع الحقيقي فوق مستوى سطح البحر.

لكن مع وصول الطائرة إلى ما يُعرف بـ"ارتفاع الانتقال"، يتحول جميع الطيارين إلى إعداد الضغط القياسي العالمي البالغ 1013.25 هكتوباسكال، وعندها يتم التعبير عن الارتفاعات على شكل "مستويات طيران"، مثل FL350 الذي يعادل اسمياً 35 ألف قدم، ويتيح هذا النظام لجميع الطائرات استخدام مرجع موحد، ما يضمن المحافظة على الفصل الرأسي بينها بغض النظر عن التغيرات المناخية.

وتختلف قيمة "ارتفاع الانتقال" من دولة إلى أخرى، ففي الولايات المتحدة حُدد عند 18 ألف قدم في جميع أنحاء البلاد، بينما تعتمد معظم الدول الأوروبية قيماً مختلفة تختلف أحياناً بين المطارات داخل الدولة الواحدة، ورغم مناقشات استمرت سنوات لاعتماد ارتفاع موحد في أوروبا، فإن القارة لا تزال تعمل بنظام متباين حتى اليوم.

كما تعتمد سلطات الطيران الدولية قواعد دقيقة لتوزيع مستويات الطيران وفق اتجاه الرحلة، حيث تستخدم الطائرات المتجهة شرقاً مستويات فردية، فيما تخصص المستويات الزوجية للطائرات المتجهة غرباً، الأمر الذي يضيف طبقة أخرى من التنظيم والسلامة الجوية.

وشهد قطاع الطيران تطوراً مهماً مع تطبيق نظام "تقليل الحد الأدنى للفصل الرأسي" (RVSM)، الذي سمح بخفض المسافة الرأسية بين الطائرات من ألفي قدم إلى ألف قدم فقط بين مستويات محددة، ما أدى إلى زيادة سعة المجال الجوي وتحسين كفاءة إدارة الحركة الجوية، بشرط أن تستوفي الطائرات تجهيزات تقنية واعتمادات خاصة.

ويؤكد الخبراء أن مرور طائرتين على ارتفاعات متقاربة بفارق ألف قدم فقط ليس أمراً عشوائياً، بل نتيجة منظومة عالمية متكاملة تعتمد على ضبط موحد لأجهزة قياس الارتفاع، وقواعد دقيقة لمستويات الطيران، وإجراءات صارمة لإدارة الحركة الجوية، ما يجعل الأجواء الحديثة واحدة من أكثر البيئات تنظيماً وأماناً في العالم.