لم تكن جميع الابتكارات التي غيّرت حياة البشر مصدرا للتقدم والرفاهية، فبعضها حمل في طياته مخاطر قاتلة لم تتكشف إلا بعد سنوات طويلة من الاستخدام، بعدما تسببت مواد وتقنيات اعتُبرت يوما إنجازات علمية في أضرار صحية وبيئية واسعة النطاق.
ويكشف تقرير نشره موقع "SlashGear" بعنوان "تقنيات قاتلة على نحو مفاجئ عبر التاريخ"، كيف تحولت اكتشافات واستخدامات بدت واعدة في بدايتها إلى مصادر للخطر، بدءا من المواد المشعة والمعادن السامة، وصولا إلى المبيدات الكيميائية ووسائل النقل الحديثة.
الراديوم.. بريق مضيء بثمن قاتل
يأتي الراديوم في مقدمة هذه الأمثلة، فبعد اكتشافه، انتشر استخدامه في تطبيقات متعددة، من المنتجات الاستهلاكية إلى الدهانات المضيئة التي استُخدمت في صناعة الساعات.
لكن غياب المعرفة الكافية بمخاطر الإشعاع آنذاك أدى إلى عواقب مأساوية، فقد اعتادت عاملات في مصانع الساعات على لعق فرش الطلاء للحصول على أطراف دقيقة، ما تسبب في ابتلاعهن كميات من المواد المشعة، وعُرفت هؤلاء العاملات لاحقا باسم "فتيات الراديوم"، بعدما عانين أمراضا إشعاعية خطيرة أودت بحياة بعضهن.
ماذا حدث لهن؟
في أوائل القرن العشرين، استخدمت شركات أمريكية مادة الطلاء الممزوجة بالراديوم لصناعة أرقام وعقارب الساعات التي تتوهج في الظلام، وكانت هذه الساعات مطلوبة بشدة، خصوصا للاستخدام العسكري.
عملت فتيات ونساء شابات في طلاء هذه الأرقام الدقيقة، وكانت بعض الشركات تطلب منهن تشكيل رؤوس فُرش الطلاء بأفواههن، أي ترطيب الفرشاة بالشفاه أو اللسان للحصول على رأس مدبب، ونتيجة لذلك، ابتلعت بعض العاملات كميات من الراديوم المشع مرارا وتكرارا، دون أن يدركن خطورة ما يفعلن.
الرصاص والأسبستوس.. مخاطر امتدت لعقود
ولم يقتصر الأمر على المواد المشعة، إذ استُخدم الرصاص لقرون في صناعات مختلفة، قبل أن يتضح حجم أضراره الصحية، ووصل استخدامه إلى وقود السيارات خلال القرن العشرين، عندما أُضيفت مركباته إلى البنزين لتحسين أداء المحركات، ما أسهم في انتشار التلوث بالرصاص على نطاق واسع.
أما الأسبستوس، فقد اكتسب شعبية صناعية بفضل قوته ومقاومته للحرارة، ودخل في صناعة مواد البناء والعزل ومكونات السيارات، لكن التعرض لأليافه ارتبط بأمراض خطيرة، بينها سرطان الرئة وأمراض رئوية مزمنة.
ويسلط التقرير الضوء أيضا على استخدام نوع من الأسبستوس في فلاتر بعض أنواع السجائر خلال خمسينات القرن الماضي، في مثال يعكس كيف يمكن لابتكار يستهدف تحسين منتج أن يضيف إليه خطرا صحيا غير متوقع.
الزئبق والمبيدات.. سموم في الاستخدام اليومي
وشكّل الزئبق مثالا آخر على المواد التي تعددت استخداماتها قبل فهم آثارها السامة بصورة كافية، فقد استُخدم في الصناعات المختلفة، بما فيها صناعة القبعات، وارتبط التعرض له بأعراض تشمل الرعشة واضطرابات الكلام والهلوسة.
كما أثارت المبيدات الكيميائية، وفي مقدمتها مادة "دي دي تي" (DDT)، مخاوف بيئية وصحية متزايدة بعد انتشار استخدامها لمكافحة الحشرات، فإلى جانب فعاليتها في الحد من بعض الآفات، تبيّن أن المادة يمكن أن تتراكم في البيئة وتنتقل عبر السلسلة الغذائية، ما أدى إلى فرض قيود على استخدامها في مناطق عديدة.
من غاز السارين إلى استنزاف الأوزون
وتتجلى العواقب الأكثر خطورة لبعض الاكتشافات في غاز السارين، الذي ظهر خلال أبحاث مرتبطة بتطوير مبيدات للحشرات في ألمانيا عام 1938، قبل أن يتحول إلى عامل أعصاب شديد السمية.
ويشير التقرير إلى أن السارين استُخدم في هجومين إرهابيين باليابان عامي 1994 و1995، ما أسفر عن سقوط قتلى وإصابة آلاف الأشخاص.
وفي سياق مختلف، لم تكن مركبات الكلوروفلوروكربون، المعروفة اختصارا بـ"CFCs"، مصممة لإلحاق الضرر بالبيئة، فقد طُوّرت لتكون بديلا أكثر أمانا لمواد التبريد المستخدمة آنذاك، غير أن الأبحاث كشفت لاحقا دورها في تدمير طبقة الأوزون، الأمر الذي دفع المجتمع الدولي إلى اعتماد بروتوكول مونتريال عام 1987 للحد من المواد المستنزفة للأوزون.
الجراحة والسفر والأغذية.. الوجه الآخر للتقدم
ولا تتوقف الأمثلة عند المواد الكيميائية، إذ يستعرض التقرير مخاطر الجراحات في الماضي، حين كانت العدوى تهدد حياة المرضى بسبب غياب المطهرات والفهم الكافي لنظرية الجراثيم.
كما يشير إلى أن تطور النقل العالمي، رغم دوره في ربط القارات وتسهيل حركة البشر، أسهم في تسريع انتقال الأمراض المعدية بين الدول، بما في ذلك الإنفلونزا وسارس وكوفيد-19.
ويختتم التقرير بالإشارة إلى شراب الذرة عالي الفركتوز، الذي انتشر في المنتجات الغذائية منذ سبعينات القرن العشرين، وأصبح مكونا شائعا في المشروبات المحلاة والأطعمة المصنعة، ويثير الاستهلاك المرتفع للسكريات مخاوف صحية، فيما لا تزال المقارنات بين هذا الشراب والسكر التقليدي محل نقاش علمي.
دروس من الماضي
وتكشف هذه الأمثلة عن مفارقة أساسية في تاريخ التقدم العلمي، فالتكنولوجيا التي تُطوَّر لحل مشكلة أو تحسين جودة الحياة قد تخلق أخطارا جديدة عندما تُستخدم قبل فهم آثارها بعيدة المدى.
وتؤكد التجارب التاريخية أهمية تقييم السلامة الصحية والبيئية للمواد والابتكارات، ومراقبة آثارها بعد طرحها للاستخدام، بدلا من الاكتفاء بفاعليتها أو فوائدها المباشرة.
فالتقدم الحقيقي لا يُقاس بقدرة الإنسان على ابتكار تقنيات جديدة فحسب، بل أيضا بقدرته على توقع مخاطرها والحد من أضرارها قبل أن تتحول إلى أزمات واسعة النطاق.