تحتفظ مركبة «بيرسيفيرانس» التابعة لوكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» بعينة صخرية من المريخ تحمل علامات تشبه بقع جلد النمر، ‏يعتقد علماء أنها قد تحتوي على أدلة لوجود حياة ميكروبية قديمة على الكوكب الأحمر، لكن إلغاء برنامج أمريكي لإعادة العينات إلى ‏الأرض يهدد بتأخير التوصل إلى إجابة حاسمة عن أحد أكبر الأسئلة العلمية‎.‎

وذكرت شبكة «سي إن إن» في تقرير أن العينة، التي أطلق عليها العلماء اسم «سافاير كانيون»، جُمعت من صخرة في منطقة وادي ‏نيريتفا، الذي شكلته أنهار كانت تتدفق قبل مليارات السنين إلى بحيرة قديمة داخل فوهة جيزيرو، حيث هبطت المركبة الأمريكية في ‏فبراير 2021 للبحث عن آثار محتملة لحياة سابقة‎.‎

وقال أدريان بروز، الباحث في جامعة بوردو وعضو الفريق العلمي للمركبة، إن العينة التي يبلغ حجمها تقريباً حجم قطعة من ‏الطباشير، تمثل أحد أبرز الاكتشافات التي حققتها المهمة، مضيفاً: «أعتقد أن هذه هي المرة الأولى التي نعثر فيها على شيء يمكن ‏اعتباره مؤشراً حيوياً محتملاً على المريخ‎».‎

وأوضح أن العينة محفوظة حالياً داخل المركبة، في انتظار نقلها إلى الأرض لإخضاعها لتحليلات مخبرية أكثر تقدماً، وهي خطوة لا ‏يزال موعد تنفيذها غير معروف‎.‎

إلغاء برنامج بمليارات الدولارات

وكانت «ناسا» ووكالة الفضاء الأوروبية تعتزمان إعادة العينات التي جمعتها المركبة إلى الأرض من خلال برنامج مشترك، لكن ‏ارتفاع تكاليف المشروع وتعقيداته التقنية دفع الوكالة الأمريكية إلى إعادة تقييمه عام 2024، قبل اتخاذ قرار بإلغائه‎.‎

وبحسب التقرير، بلغت التقديرات القصوى لتكلفة البرنامج نحو 11 مليار دولار، فيما تأخر الموعد المتوقع لإعادة العينات إلى عام ‏‏2040، مقارنة بخطط سابقة كانت تستهدف إنجاز المهمة مطلع العقد المقبل‎.‎

وأنفقت الوكالة نحو 2.5 مليار دولار على البرنامج قبل إلغائه، وفقاً لكيسي دراير، مسؤول سياسات الفضاء في جمعية الكواكب ‏الأمريكية‎.‎

وقالت «ناسا»، في بيان قدمته إلى «سي إن إن» خلال يوليو، إنها تدرس خيارات بديلة لإعادة العينات، قد تشمل التعاون مع شركات ‏خاصة أو شركاء دوليين، بهدف تقليل التكاليف والتعقيدات مقارنة بالخطة الأصلية‎.‎

ولم تعلن الوكالة حتى الآن مساراً محدداً لتنفيذ المهمة، رغم تأكيد مسؤوليها استمرار اهتمامهم باستعادة العينات المحفوظة على ‏المريخ‎.‎

بقع قد تكشف أسرار الحياة

وتعود أهمية العينة إلى العلامات المرصودة على سطح الصخرة التي استخرجت منها، والمعروفة باسم «شيافا فولز»، وهي بقع ‏دائرية تشبه تلك التي تتكون في بعض الصخور والرواسب الأرضية نتيجة نشاط الكائنات الدقيقة‎.‎

واستخرجت مركبة «بيرسيفيرانس» العينة في يوليو 2024 من صخرة ذات شكل يشبه رأس السهم، فيما رصد العلماء أعداداً كبيرة ‏من البقع المشابهة في الصخور الطينية المحيطة بها‎.‎

وأوضح بروز أن الكائنات الدقيقة على الأرض يمكن أن تترك علامات مماثلة عندما تتغذى على المواد العضوية المحفوظة داخل ‏الرواسب، ما يؤدي إلى تغيرات كيميائية تظهر على هيئة بقع وهالات مختلفة اللون‎.‎

لكن الباحثين يؤكدون أن وجود هذه العلامات لا يمثل دليلاً قاطعاً على الحياة، إذ يمكن أن تنشأ أيضاً نتيجة تفاعلات كيميائية أو عمليات ‏جيولوجية لا تتطلب وجود كائنات حية‎.‎

وقالت بريوني هورغان، أستاذة علوم الأرض والغلاف الجوي والكواكب في جامعة بوردو، إن العلماء يستطيعون مواصلة دراسة ‏الصور والبيانات التي ترسلها المركبة، لكنهم لن يتمكنوا من التوصل إلى نتيجة نهائية قبل إعادة العينات إلى المختبرات الأرضية‎.‎

وأضافت أن هذه العينات تمثل أفضل فرصة متاحة حالياً لفهم ما إذا كانت الحياة ظاهرة شائعة في الكون، أم أن الأرض حالة استثنائية‎.‎

وتبلغ تكلفة تصنيع وإطلاق «بيرسيفيرانس» نحو 2.4 مليار دولار، لكن الأجهزة العلمية الموجودة على متنها لم تُصمم لإجراء ‏التحليلات المعقدة اللازمة لإثبات وجود حياة قديمة بصورة نهائية‎.‎

تجربة علمية سابقة

ويستند حذر العلماء إلى تجربة سابقة تتعلق بنيزك مريخي عُثر عليه في القارة القطبية الجنوبية عام 1984، وعُرف باسم «ألان هيلز ‏‏84001».‏

وكانت تحليلات أولية للنيزك قد أثارت احتمال احتوائه على آثار حياة قديمة، قبل أن تكشف دراسات لاحقة أن العمليات الجيولوجية ‏غير الحيوية يمكن أن تنتج مؤشرات مشابهة لتلك التي اعتُقد أنها مرتبطة بكائنات حية‎.‎

وقال أشوين فاسافادا، العالم المسؤول عن مشروع مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لناسا، إن إثبات وجود حياة قديمة يظل مهمة شديدة ‏التعقيد حتى عندما تتاح العينات أمام مختبرات متعددة حول العالم‎.‎

وأوضح أن العلماء يحتاجون إلى استخدام مجموعة واسعة من أدوات وتقنيات التحليل للتحقق من مصدر العلامات المرصودة في ‏الصخور‎.‎

وجمعت «بيرسيفيرانس» حتى الآن عينات من الصخور والغبار والغلاف الجوي للمريخ داخل 33 أنبوباً، فيما أودعت 10 عينات في ‏موقع مخصص على سطح الكوكب، تمهيداً لاحتمال استعادتها بواسطة بعثات مستقبلية‎.‎

وقالت ميليسا رايس، أستاذة علوم الكواكب بجامعة ويسترن واشنطن، إن الأجهزة المثبتة على المركبة اختيرت أساساً لتحديد العينات ‏المناسبة وتوثيق ظروفها الجيولوجية، على افتراض أن العلماء سيتمكنون لاحقاً من دراستها على الأرض‎.‎

الصين تدخل سباق العينات

وفي الوقت الذي تواجه فيه الولايات المتحدة صعوبات في استعادة عيناتها، تمضي الصين في تطوير مهمة «تيانوين 3»، التي ‏تستهدف إطلاق مركبات فضائية إلى المريخ عام 2028، وإعادة عينات من سطحه إلى الأرض عام 2031‏‎.‎

وتستند الخطة الصينية إلى خبرات اكتسبتها بكين من مهمة «تشانغ آه 6»، التي نجحت عام 2024 في إعادة أول عينات من الجانب ‏البعيد للقمر‎.‎

ووفقاً لدراسة نشرها الفريق العلمي للمهمة الصينية عام 2025، تتضمن «تيانوين 3» عمليتي إطلاق منفصلتين؛ الأولى تحمل مركبة ‏هبوط وصاروخاً للصعود من سطح المريخ وطائرة مروحية، والثانية تشمل مركبة مدارية ووحدة لإعادة العينات إلى الأرض‎.‎

وستكون مركبة الهبوط مجهزة بمثقاب يستطيع الوصول إلى عمق مترين تحت سطح المريخ، حيث يأمل العلماء العثور على مواد ربما ‏احتفظت بآثار حياة قديمة أو حالية‎.‎

وقال ييليانغ لي، عضو الفريق العلمي للمهمة والأستاذ بجامعة هونغ كونغ، إن المركبة ستعمل على سطح المريخ نحو 70 يوماً لجمع ‏العينات، فيما يواصل الباحثون دراسة 86 موقعاً محتملاً للهبوط‎.‎

وتشمل المناطق المستهدفة مواقع يُعتقد أنها احتوت سابقاً على مياه سائلة، إلى جانب مناطق غنية بالمعادن أو رواسب يمكن أن تحتفظ ‏بمؤشرات على نشاط ميكروبي قديم‎.‎

ويسعى الفريق إلى جمع نوعين رئيسيين من العينات، أحدهما يحتوي على أكاسيد الحديد التي قد تحفظ آثاراً لأشكال الخلايا عبر ‏مليارات السنين، والآخر غني بالطين المائي الذي يمكن أن يحتفظ بجزيئات عضوية قديمة‎.‎

وأعلن هو تسنغ تشيان، كبير علماء المهمة الصينية، خلال مؤتمر دولي لاستكشاف الفضاء العميق في سبتمبر، أن المهندسين يعملون ‏على تصنيع نموذج أولي للمهمة، بالتوازي مع خطط لإنشاء مختبر متخصص لاستقبال العينات وحمايتها من التلوث‎.‎

ورغم أن العينات التي تخطط الصين لجمعها قد تختلف جيولوجياً عن تلك الموجودة لدى «بيرسيفيرانس»، فإن نجاح المهمة الصينية ‏قد يمنح بكين أسبقية في إعادة صخور من المريخ إلى الأرض‎.‎

انتقادات لقرار ناسا

ويعود الاهتمام الأمريكي بإعادة عينات من المريخ إلى عقود مضت، إذ تضمنت طلبات ميزانية «ناسا» للسنة المالية 1978 تمويلاً ‏لدراسات أولية بشأن هذه المهمة، بعد بعثات «فايكنغ» التي شكلت إحدى أولى المحاولات الأمريكية للبحث عن آثار الحياة على ‏الكوكب الأحمر‎.‎

وفي عام 2003، وضعت دراسات علمية إعادة العينات ضمن أولويات استكشاف المريخ، وهو ما أسهم لاحقاً في تطوير برنامج إعادة ‏العينات بالتوازي مع مهمة «بيرسيفيرانس».‏

وكان التصور الأصلي، الذي أعلنت تفاصيله عام 2020، يتضمن إرسال مركبات متعددة إلى المريخ لجمع العينات وإطلاقها من ‏سطحه، ثم التقاطها بواسطة مركبة أوروبية تدور حول الكوكب وإعادتها إلى الأرض‎.‎

لكن تعديلات التصميم وارتفاع التكاليف أديا إلى تأجيل المهمة، قبل أن تعلن «ناسا» في مقترح ميزانيتها لعام 2026 اعتزامها إنهاء ‏البرنامج، معتبرة أن الخيارات المتاحة لتنفيذه لم تعد ميسورة التكلفة‎.‎

ولم يتضمن طلب ميزانية الوكالة لعام 2027 إشارة إلى البرنامج‎.‎

ورغم ذلك، أكد جاريد آيزاكمان، مدير «ناسا»، اهتمامه بإعادة العينات، قائلاً خلال مؤتمر صحفي في 30 أغسطس إن استعادتها قد ‏تقود إلى أحد أهم الاكتشافات العلمية في تاريخ البشرية‎.‎

وأضاف أن السؤال لم يعد يتعلق بضرورة استعادة العينات، وإنما بالطريقة التي ستُستخدم، سواء من خلال مركبات آلية أو بواسطة ‏رواد فضاء، والجدول الزمني اللازم لتنفيذ المهمة‎.‎

وتواجه الوكالة الأمريكية انتقادات بسبب احتمال تقدم الصين عليها في هذا المجال، رغم أن المركبة الأمريكية تمكنت بالفعل من جمع ‏عينات مريخية تنتظر نقلها إلى الأرض‎.‎

وقالت ميليسا رايس إن من اللافت أن تؤكد الولايات المتحدة ريادتها في استكشاف الفضاء، بينما قد تتيح للصين تحقيق السبق في إعادة ‏عينات المريخ‎.‎

بدائل أقل تكلفة

وفي ظل غياب خطة حكومية نهائية، تعمل شركات أمريكية على تطوير مقترحات بديلة لاستعادة العينات‎.‎

ومن بينها شركة «لوكهيد مارتن»، التي وضعت تصوراً لمهمة تقل تكلفتها عن ثلاثة مليارات دولار، وتستهدف إعادة 30 عينة جمعتها ‏مركبة «بيرسيفيرانس» بحلول عام 2037 على أبعد تقدير‎.‎

وقالت ويتلي بويزر، المسؤولة عن برامج مهام الاستكشاف في الشركة، إن المقترح يعتمد على مركبة هبوط صغيرة وصاروخ خفيف ‏للصعود من سطح المريخ، إلى جانب نظام لإيصال العينات إلى الأرض، بالاستفادة من تقنيات سبق استخدامها في مهمات فضائية ‏أخرى‎.‎

وأضافت أن تطوير القدرة على إطلاق المركبات من سطح المريخ يمثل تحدياً تقنياً رئيسياً، خصوصاً مع الخطط المستقبلية لإرسال ‏البشر إلى الكوكب وإعادتهم منه‎.‎

ويرى العلماء أن أهمية العينات لا تقتصر على إثبات وجود حياة قديمة، إذ إن عدم العثور على مؤشرات حيوية قد يقدم بدوره ‏معلومات عن طبيعة العمليات الكيميائية التي سبقت ظهور الحياة‎.‎

كما يمكن أن يساعد تحليل الصخور في فهم سبب نشوء الحياة على الأرض، واحتمال عدم ظهورها على المريخ رغم التشابه بين ‏الظروف البيئية التي شهدها الكوكبان قبل مليارات السنين‎.‎

وأكدت رايس أن العينات الموجودة على المريخ قد تحمل معلومات يصعب الحصول عليها من الصخور الأرضية التي تعرضت ‏للتعرية والتحولات الجيولوجية عبر العصور‎.‎

وأضافت أن المهمة العلمية الأساسية باتت واضحة، بعدما أصبحت الصخور محفوظة داخل أنابيب وجاهزة للنقل، فيما لا تزال العقبة ‏الرئيسية تتمثل في إيجاد وسيلة لإعادتها إلى الأرض‎.‎