في ابتكار قد يغيّر مستقبل تقنيات المنازل الذكية، طوّر باحثون من جامعة بينغهامتون الأمريكية ورق جدران قادرا على توليد الكهرباء من رطوبة الهواء داخل الأماكن المغلقة، مستفيدا من بخار الماء الموجود في البيئة المحيطة بدلا من مصادر الطاقة التقليدية.
ونجح الباحثون في تصنيع لوحة تضم 1596 وحدة صغيرة لتوليد الكهرباء، تمكنت خلال إحدى التجارب من تشغيل لوحة مفاتيح لاسلكية عند مستوى رطوبة نسبية بلغ نحو 38%، في خطوة توضح إمكانية تحويل التقنية من مجرد تجربة مخبرية إلى مصدر للطاقة لأجهزة إلكترونية منخفضة الاستهلاك.
كيف يعمل ورق الجدران المولّد للكهرباء؟
تعتمد التقنية على ما يعرف باسم مولدات الكهرباء الرطوبية، التي تستخلص الطاقة من حركة المياه والأيونات داخل مادة تمتص الرطوبة.
وتكمن المشكلة في هذه التقنية في أن المادة تميل بمرور الوقت إلى التشبع بالماء، ما يؤدي إلى اختفاء الفارق في الرطوبة داخلها، وبالتالي تراجع إنتاج الكهرباء.
ولحل هذه المشكلة، صمّم فريق جامعة بينغهامتون مسارا محددا لحركة الرطوبة داخل كل وحدة، وتتكون الوحدة من قطعة من ورق الكروماتوغرافيا تبلغ أبعادها 2 × 2 سنتيمتر، مع استخدام الغليسرول حول الحواف لامتصاص بخار الماء من الهواء.
بعد ذلك، يتحرك الماء نحو مركز الورقة، حيث توجد مادة بوليمرية تعرف باسم بولي فينيل بيروليدون (PVP)، تساعد على الاحتفاظ بالماء وتوجيهه إلى الداخل.
وفي المنطقة المركزية، تسمح مسام معالجة بالشمع بخروج الرطوبة على هيئة بخار، بينما تمنع مرور الماء السائل بسهولة.
وبهذه الآلية تتحرك الرطوبة في اتجاه واحد، تدخل من أطراف الورقة، تنتقل إلى الداخل، ثم تخرج من المركز كبخار، وهو ما يساعد المادة على الحفاظ على فرق الرطوبة الضروري لاستمرار إنتاج الكهرباء.
طاقة صغيرة.. لكنها مستمرة
أظهرت التجارب أن الوحدة الواحدة أنتجت عند رطوبة نسبية بلغت 80% جهدا كهربائيا يصل إلى نحو 0.34 فولت، مع كثافة قدرة قصوى بلغت حوالي 2.2 ميكروواط لكل سنتيمتر مربع من القطب الكهربائي.
وفي اختبار آخر، أدى توصيل 10 وحدات على التوالي إلى إنتاج نحو 3 فولت عند مستوى الرطوبة نفسه.
لكن الاختبار الأكثر إثارة كان عند توسيع النظام إلى لوحة ضخمة تضم 1596 وحدة، فعند رطوبة نسبية تقارب 38%، أنتجت اللوحة نحو 3.5 فولت، وتمكنت، بمساعدة مكثف لتخزين الطاقة وإطلاقها عند الحاجة، من تشغيل لوحة مفاتيح لاسلكية بشكل مباشر.
ويشير الباحثون إلى أن الهدف من التقنية ليس منافسة الألواح الشمسية في كمية الكهرباء المنتجة، وإنما توفير مصدر إضافي للطاقة يمكن استخدامه في تشغيل أجهزة الاستشعار، والأجهزة اللاسلكية، وغيرها من الإلكترونيات التي تحتاج إلى قدر محدود من الطاقة.
هل يمكن أن يصبح الجدار مصدرا للطاقة؟
النتائج الأولية تشير أيضا إلى أن ورق الجدران قد يؤدي وظيفة أخرى إلى جانب إنتاج الكهرباء، وهي المساعدة في خفض الرطوبة داخل الأماكن المغلقة.
فخلال تجربة استمرت 15 دقيقة، انخفضت الرطوبة المقاسة بالقرب من اللوحة من حوالي 38% إلى 32%، وفي حجرة مغلقة، تمكنت 28 وحدة من خفض الرطوبة النسبية من نحو 75% إلى 50% خلال حوالي أربع دقائق.
ومع ذلك، لا يزال الابتكار في مراحله التجريبية، إذ يعتمد النموذج الحالي على ورق كروماتوغرافي مخصص للاستخدامات المختبرية، ولم يُحسم بعد مدى قدرته على تحمل الاستخدام لسنوات.
كما يواجه التصميم تحديا يتمثل في احتمال انتقال الغليسرول تدريجيا داخل الورق، ما قد يؤثر في المناطق المصممة للتحكم بحركة الرطوبة.
ويواصل الباحثون دراسة الآلية الدقيقة التي تنتج الكهرباء، إذ تشير فرضيتهم إلى أن تفاعل الماء مع مجموعات كيميائية غنية بالأكسجين يؤدي إلى إطلاق أيونات هيدروجين متحركة، ما يخلق فرقا في الشحنة ويسمح بتوليد التيار الكهربائي، لكن هذه الآلية لم تُثبت بصورة مباشرة ونهائية حتى الآن.
وبينما لا يزال الطريق طويلا قبل أن تتحول الفكرة إلى منتج تجاري، تقدم التجربة تصورا جديدا للجدران الذكية، سطح داخلي لا يكتفي بتغطية الجدار، بل يستغل رطوبة الهواء لتوليد الكهرباء والمساعدة في إدارة البيئة الداخلية للمبنى.