«قصتي» محمـــد بن راشـــد.. تجليات إنسانية رفيعة

كنتُ عازماً على تقديم قراءة شاملة لهذه السيرة الجليلة الفخمة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، تتوقف عند جميع تفاصيلها وحكاياتها الخمسين، بالإشارة الخاطفة والإيماءة الدالّة.

وتضع بين يدي القارئ الكريم خُلاصةً مركّزة لفكر سموه ومجالات نظره، وتجليات إنسانيته الرفيعة، لكنني يشهد الله حين وصلتُ إلى نهاية القصة السابعة التي تحدث فيها سموه عن إحساسه العارم بالفجيعة والفقد، لغياب والدته المغفور لها الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيّان «أمّ دُبي»، وسيدة نساء زمانها خُلُقاً وسؤدداً.

وكمالاً وتواضعاً ومحبة للخلق ومساعدة للناس، ورأيتُ الدموع تتقاطر من عيني سموه، وهو يذرفها غزيرة على ذكرى والدته، لم أستطع المضيّ قُدُماً فيما عزمتُ عليه، وعقدتُ العزم على أن تكون كلمتي هذه إضاءة لواحدة من أعمق ملامح الإنسانية في شخصية سموه، من خلال حديثه عن مُعلّميه الكبار وبعض اللحظات الإنسانية النادرة في سيرته الرائعة.

ففروسيته وشاعريته وإنجازاته وقيادته للطلائع، وعزيمته الباسلة التي لا تلين ولا تعرف التردد، مبثوثةٌ في كل مكان ويعرفها القاصي والداني، حتى أوشكت أن تكون جزءاً من ثقافة الإنسان الإماراتي ونموذجاً وقدوة، لكنّ هذا الملمح الإنساني الساحر في شخصيته هو الوجه السريّ الرائع لكل فضائله ومناقبه، وهو النبع الفيّاض لشمائله الرقيقة وأخلاقه العالية.

ويا لروعته وإنسانيته وهو يحكي بإحساس الابن البارّ بوالديه كيف نشأ في أحضان المغفور لهما الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، وزوجه ورفيقة دربه ومؤنسة قلبه وروحه الشيخة لطيفة بنت حمدان، التي حملت معه أعباء الحياة، وكانت نِعمَ الزوجة والأم الرؤوم، وكيف أن والده الشيخ راشد، رحمه الله، وهو الفارس الشجاع قوي القلب الذي عاش عمره كله متنقلاً في ميادين الفروسية لم يستطع قلبه الوفيّ احتمال غيابها فأُجهش بالبكاء على ذكراها الطيبة وغادر الدنيا عام 1990م، وهو يحمل في قلبه عطور الذكرى لهذه السيدة الجليلة النبيلة.

رثاء أم

«مَنْ مِثْلُ أُمّي؟ مَنْ مِثْلُ لطيفة؟»، بهذه العبارة المفعمة بالحب الزاخرة بالمعنى كان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد يختتم كل فقرة يرثي فيها أمّه ويستعرض فيها جزءاً جميلاً من حياته في ظلالها، فقبل ستةٍ وثلاثين عاماً وتحديداً في عام 1983م، غادرت هذه السيدة الجليلة هذه الدار الفانية، تاركةً وراءها من المواقف الخالدة والذكريات النيّرة والسيرة العاطرة ما يكشف عن طيبِ معدنها وأصالة أخلاقها.

وعلى الرغم من مرور هذه السنوات الطوال، فإنّ ذكراها ظلت عميقة الحضور في قلب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، فخصّها بثلاث قصصٍ من قصصه الخمسين، تأكيداً منه لعظمة الحب الساكن في قلبه لهذه الأم العظيمة، وترسيخاً لمبدأ البرّ بالوالدين كقيمة دينية وأخلاقية عظيمة .

حثّ عليها ديننا العظيم، تحدّث عن والده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، حديثاً نابعاً من حنايا القلب، باعتباره المعلم الأول لسموّه الذي تعلّم منه الأخلاق الرفيعة، لكنّه كان قبل ذلك أيضاً قد تحدّث حديثاً مؤثراً جداً عن حياة ومناقب جدّه المغفور له الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم، رحمه الله، وكيف أنّه تعلّم منه القيمة الكبرى في حياته الإنسانية والسياسية، ألا وهي المحبة المتبادلة بين الراعي والرعية، وهو ما عبّر عنه سموه بقوله:

«غير أنّ أعظم إنجازاته كانت سيرته وعلاقته مع شعبه»، ثم يلخّص هذه العلاقة البديعة بهذه الجملة الإنسانية الفريدة المستلهمة من كتاب الله تعالى: «كان يحبهم ويحبونه»، وهي المعادلة التي ما زالت تحكم طبيعة الحياة السياسية والاجتماعية في الإمارات منذ قيام الاتحاد.

حيث غذّاها وقوّى شجرتها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيّان، طيب الله ثراه، يساعده على ذلك ويشدّ من أزره الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، وها هي الإمارات ما زالت تنعم بهذه النعمة السابغة التي تتجلى في السياسة الحكيمة الرحيمة الحازمة التي يسير عليها حكام البلاد من أنجال الشيخ زايد، رحمه الله، وجهود صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.

شخصيات نبيلة

لقد حرص صاحب السمو في هذه السيرة غير المكتملة على لفت نظر القارئ إلى لحظات الصفاء الإنساني والنبل الأخلاقي في الشخصيات التي يتحدث عنها مع الحرص على انتقاد جميع مظاهر التجبر والكبرياء التي تفتّحت عليها عيناه منذ طفولته وشاهدها في دولٍ أخرى، وبخصوص جده المرحوم الشيخ سعيد بن مكتوم، لم يحرص صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، على تقديم صورة باذخة للثراء لهذا الشيخ النبيل، بل قدّمه في سياق إنسانيته البسيطة العالية.

فهو يذكر كيف كان هذا الشيخ الجليل يقوم قبل صلاة الفجر ويذهب إلى بئرٍ بعيدة ليحضر منها دلواً كبيراً من الماء كي يتوضّأ منه المصلون، ليُعقّب صاحب السمو الشيخ محمد على هذه الأخلاق الرفيعة بلغةٍ لا تخلو من الفخر والتواضع بقوله:

«أيّ إنسانٍ كنتَ يا جدي! أيّ قوةٍ وأيّ طيبة ورحمة!»، مؤكداً عظمة هذا النموذج الإنساني الذي يستمدّ جلاله وهيبته من نبله وتواضعه ومحبته للحق وخدمته للناس، وبعذوبة الفرسان الشجعان يؤكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد هيبة جده ونبله بقوله:

«لم يحكم جدي بالخوف بل بالمحبة والرحمة»، ثم يبلغ صاحب السمو الشيخ محمد ذروة الروعة الإنسانية حين يصف اللحظات الأخيرة من حياة جده المبجّل فيقول: «أذكر يوم وفاته، كنتُ في التاسعة تقريباً، أسلم الروح بعد صلاة الفجر بقليل، كان والدي بجانبه، أذكر انتحاب النساء، وبكاءَ رجالٍ لم أحسب أنهم يبكون، أذكر تنكيس الأعلام، وأذكر جموعاً غفيرة ودّعته إلى مثواه الأخير، أذكر الصورة التي انطبعت في ذهني عنه، قبل صلاة الفجر بمائه وطهوره عند صلاة الفجر ينتظر أبناء شعبه، علّمْتنا خدمة الناس يا أبا راشد. رحمك الله وجعل الفردوس مثواك».

وأنت يا سيدي «أبا راشد» أعلى الله منزلتك في القلوب التي تحبك وتعرف قدرك ونشأتك بين هذه القلوب الطاهرة النبيلة، فكنتَ أنت حظّنا الوافر من هذه العائلة الشريفة السليلة للمجد والإنسانية والفروسية ومحبة الناس وخدمتهم، وإنما أردنا بهذه الإضاءة اليسيرة لتاريخ جدكم أن يعرف الناس أنّ هذه الأخلاق العالية التي هي من طبعكم وشمائلكم إنما تحدّرت إليكم من تلكم الجبال الشامخات من آل مكتوم الصِيد الكرام.

درس عميق

وإنّ من عجيب ما وقع في هذه السيرة الذاتية الرائعة أنّ بناءها الفني يتسلسل مع مسيرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، فبعد حديثه عن جده، رحمه الله، يعقد سموه قصة بديعة المغزى عنوانها «زيارةٌ إلى ملك الملوك»، هي في جوهرها تفصيل بديع لشخصية والده من جميع النواحي الأخلاقية والسياسية والإنسانية، لكنها تنطلق من حدث مفاجئ، هو زيارة سموه برفقة والده لإيران، للمشاركة في احتفاء إيران بمرور 2500 عام على تأسيس الإمبراطورية الفارسية، تحت رعاية شاه إيران الذي سمّى نفسه «ملك الملوك».

وجلس على عرشه عرش الطاووس في سلوك صوّره صاحب السمو الشيخ محمد بمنتهى الذكاء والحصافة، واعتبره مناقضاً للطبيعة الإنسانية للحاكم التي يجب أن تكون قريبة من شعبها، وتصهر المسافة بين الراعي والرعية، ليكون ذلك واحداً من أعمق الدروس التي تلقّاها سموه في تلك المرحلة المبكرة من عمره المديد بإذن الله، وقد وصف سموه مظاهر البذخ الهائلة التي ظهرت في ذلك الاحتفال الاستثنائي.

لكنه في الوقت نفسه وصف كثيراً من مظاهر الفقر المدقع الذي كان يرزح تحته الإنسان الفقير في إيران، وكيف أن هذه السياسة المفتقرة إلى الحكمة والرحمة هي التي أودت بهذا الشاه إلى ذلك المصير المرعب، حين لفظته جميع دول العالم.

وتمت الإطاحة بعرشه بعد فترة وجيزة لم تتجاوز السنوات الثماني من ذلكم الحفل الخارق للمألوف، ليقتنص صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد من هذا الموقف ونظائره، أول دروس الحكمة والبصيرة السياسية.

وليتفرغ بعد ذلك لرسم صورة وضيئة بهيجة لوالده رحمه الله، ذلكم الباني الأول لأمجاد دبي، وذلكم الزعيم المؤْثِر مجد الوطن على مجده الشخصي، حين وضع يده في يد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وصنعا معاً هذا الوطن النموذج الذي غدا واحة عطاء وسلام وأمن ورخاء، وهو ما عبّر عنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بقوله تعقيباً على ذلك الحفل الأسطوري:

«شكّل لي ذلك الحفل الأسطوري في سنّي الصغيرة وقفة مهمّة مع نفسي، ودرساً لن أنساه ما حييت، أكبر درس هو المقارنة بين طريقة الشاه في الحكم وطريقتنا في دبي والإمارات على اختلاف حجم البلدين»، ثم يقارن باعتزاز بالغ بين الفارق الهائل في سياسة الحكم بين الشاه ووالده الشيخ راشد فيقول:

«شاهدتُ لمحة من أسلوب ملك الملوك وابتعاده الشديد بحياته وقصوره الضخمة عن عموم شعبه، وكنتُ أشاهد والدي يبدأ يومه في الصباح الباكر بجولته الصباحية مع الناس ومتابعة المشاريع بنفسه مع العمال، واستقباله عامة الناس في مجلسه المفتوح وتناوله غداءه مع ضيوفه، وقد خصّص لنفسه مكتباً متواضعاً عند نقطة جمارك خور دبي، يطلّ على رصيف المرفأ، كي يتمكن من مشاهدة النشاط في الخارج.

وكان متواضعاً جداً في سلوكه، لدرجة أنّ الزوار في المكتب كانوا يظنون أنه مجرد موظف، حتى إن مهندسي المشاريع كانوا يسمّونه «الفورمن»، أي مراقب العمال، لكثرة تردده عليهم ومتابعته اليومية لعملهم وأحوالهم»، ومن قلب هذه المقارنة بين هذين النموذجين المتناقضين في الحكم وإدارة شؤون البلاد، يرتفع صوت صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، بهذه الأبيات الشعرية الخالدة لشاعر قديم يُذكّر الإنسان بمصارع الغابرين، ويلفت نظره إلى أنه يسير على الدرب نفسه، فلا داعي لهذا الغرور والطغيان:

أين الملوك ذوو التيجان من يمنٍ

وأين منهم أكاليلٌ وتيجانُ

وأين ما شاده شدادُ في إرمٍ

وأين ما ساسه في الفرس ساسانُ

وأين ما حازه قارون من ذهبٍ

وأين عادٌ وشدادٌ وقحطانُ

العيش في الصحراء

وبإحساسٍ إنساني فريد، يتابع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد حكايته مع الحياة من خلال القصة الثالثة التي وضع لها عنواناً لا يخلو من الغرابة وجذب الانتباه هو «النوم مع العقارب»، قصّ فيها قدراً رائعاً من مواصلة التربية تحت إشراف والده الشيخ راشد، رحمه الله، الذي أرسل به إلى الصحراء كي يتعلم قنص الطيور وصيد الغزلان.

، ولا ينسى وهو الذي بلغ هذه المرتبة العالية في الحكم والسياسة والفروسية والمجد، لا ينسى شيخه الأول ومعلمه متجعد الوجه معروق اليدين الشيخ حميد بن عمهي، من شيوخ المناصير، حيث عاش معه سموه الليالي الطوال وهو يتدرب على فنون العيش في الصحراء واقتناص ما تجود به طبيعتها الشحيحة من ظبي أو أرنب، لكنه بجانب ذلك كله كان يعاني كل ليلة لسعة منتظمة لعقارب تدبّ إليه ليلاً وهو متدثر بفراشه من برد الصحراء القارس.

وكان يظن أن ذلك يأت بطريق المصادفة، حتى أثبتت له الأيام أن معلّمه هو الذي كان يرسل تلك العقارب الصغيرة كي تلدغه فيكتسب جسده مناعة ضد لدغات العقارب الكبيرة، ويستوعب سموه الدرس ويقصّه علينا بكثير من الوعي واليقظة المبكرة لدروس الحياة، ليختم ذلك بقوله وبنبرة لا تخلو من الأسف والحسرة بعدما رأى من طباع الناس وأخلاقهم فيقول: «النومُ مع العقارب أسهل من الحياة معها.. رحمك الله يا حميد»، لتكون هذه الوخزة اللاذعة خاتمة لهذه القصة التي استوعب في تفاصيلها كثيراً من معالم الخبرة الباهرة بحياة الصحراء وطرائق القنص وفنون الصيد.

المعلم الأول

وتأتي القصة الرابعة لتكون وقفة رائعة مع معلّمه الأول وملهمه أعمق معاني الحياة، والده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، الذي يتكلم عنه سموه بإحساس هو مزيجٌ باهر من الحب والفخر والزهو بهذا الوالد الجليل، فيرسم لنا في البداية صورة خارجية له من خلال مظهره الدال على الشجاعة والفروسية وعُمق الخبرة بالحياة.

ويفتتح حديثه عنه بجملة ثلاثية الأبعاد بديعة الدلالة على الأثر العميق الذي تركه والده في شخصيته حين يقول: «أبي والخيل ودُبيّ هي ذكرياتي الأولى عن طفولتي، أبي والخيل ودبي هي ذاكرتي التي ستبقى معي حتى النهاية»، ثم يفسّر سموّه هذه الثلاثية الرائعة بقوله: «الخيلُ تجمع العزّة والأنَفَة والرقة والقوة في نفس الوقت، وكذلك أبي وكذلك دبي».

دروس راشد.. دروس الصحراء

على الرغم من الخبرات الهائلة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في معرفة الحياة الحديثة وتذوّق إيقاع العصر، فإنه شديد الوفاء للصحراء كمُلهمٍ عميق الأثر في تكوينه الروحي والأخلاقي والنفسي، فقد كان والده حريصاً على صَقْلِه من خلال شمسها اللاهبة، وهو ما خلّده سموه في هذه السيرة العاطرة.

حيث سجّل كثيراً من المواقف التي واجهها في الحياة برعاية والده الشيخ الجليل راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، الذي كان يستشرف الآفاق المقبلة لهذا الفتى المقدام الشجاع الذي تلوح على مُحيّاه معالم الجدّ والرغبة الصادقة في العمل والإنجاز، ويبدو أنّ تلك التربية كانت مبكّرة جداً من عمر سموه، وهو ما ذكره بقوله: «بين الرابعة والثامنة من عمري علّمني أبي الكثير عن الصحراء، وكيف يمكن أن تعيش حياة كاملة فيها، رُغم ما يظهر فيها من قسوة المظهر، وقلة الموارد.

واتّساعٍ قد يُخيف الكثير من الناس». وبموازاة هذه الرغبة في التعليم المباشر من طبيعة الحياة كان والده حريصاً على أن يجمع له كل أنواع التعليم الذي تزداد به الخبرة وتنفتح به عين البصيرة، وهو ما عبّر عنه صاحب السمو بقوله: «أرسلني للمدرسة لأتعلم القراءة والكتابة واللغة والعلوم، وأخذني معه في مجالسه وجولاته ورحلاته لأتعلّم الحياة».

وفي هذا السياق من الالتزام الشديد بين الوالد والولد، يقصّ علينا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بعض المهارات المبكرة التي تعلمها تحت إشراف والده الذي كان يُعدّه للحياة وخدمة الوطن والناس، فيقول: «تعلمت من والدي الرماية وإفراغ البندقية وتنظيفها قبل الثامنة من عمري، تعلمتُ منه أنّ ترك السلاح دون مرافق جريمة كبرى، لأنه قد يقع بين يدي شخص آخر يُودي بحياته».

وتأكيداً لهذا الإصرار من والده على تنمية مهاراته في فهم الحياة البدوية - حياة الصحراء، يؤكد سموه ذلك بقوله: «اهتمّ والدي بقدرتي على الملاحظة وكان يختبرني مرات عدّة.. واهتمّ بتعريفي على تضاريس الأرض وعلاماتها بالإضافة إلى علامات السماء:

النجوم بوصلة الصحراء، وكان يقول لي: الضياع في الصحراء أمرٌ سهلٌ جداً، ويعتمد الفريق دائماً على القائد ليحدد الطريق»، لتكون هذه العبارة ونظائرها بمنزلة الدروس الأولى التي تلقّاها من حكمة والده الجليل، ليختم هذه الذكريات الرائعة مع والده وما تركته من أثر نفسي وعملي عميق في شخصيته الإنسانية والسياسية بقوله: «وقبل الثامنة علّمني والدي كيف أعيش مع الصحراء مع هوامّها ودوابّها، مع ذئابها وغزلانها، مع بردها وحرّها وتقلباتها. بعد الثامنة علّمني والدي كيف أعيش في المدينة مع البشر.. ما أقسى الحياة وما أجمل الصحراء!».

حزن ثم وداع

وكم كان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد موفّقاً وإنسانياً حين أجّل الحديث عن مفارقة والده للدنيا كي يربط بين وداعه للحياة وبين أحزانه على فراق زوجته التي عاش معها أجمل سنوات العمر، وهو ما سيقصّه علينا سموه في ثلاث قصص متتابعة حملت اسم «لطيفة»، حيث احتلت سيرة والدته، رحمها الله، المساحة الكبرى على مستوى عدد القصص في هذه السيرة الرائعة.

ومن أراد أن يعرف العواطف الكبرى الصافية في قلب سموه فليقرأ هذه القصص الثلاث، حيث ارتوى من ينابيع الصفاء والتربية السديدة التي تقوم على سلامة الفطرة وإضاءة القلب بالنور وحب الخير ومساعدة المحتاج، وربما كانت هذه القصص الثلاث هي أشدّ قصص الكتاب جاذبية ودلالة على الحس الإنساني الرهيف لهذا الفارس الباسل الشجاع الذي لا يُخفي دموعه الكريمة وهو يودّع والدته الوداع الأخير.

وبدفقة عاطفية باهرة يفتتح صاحب السمو حديثه عن والدته المغفور لها الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان، ابنة حاكم أبوظبي من 1912 – 1922م، يفتتح حديثه بتعريف معنى اللطف ليندفع بعد ذلك بالتعبير عن حبه العظيم لوالدته فيقول: «لطيفة في الحياة هي أمي، وقلبي الذي في صدري، وأجمل وأنعم وأرقّ وأرفق إنسان في حياتي»، ملخصاً بذلك كل ما سيأتي من مشاعر البوح والحنين إلى ذلك القلب الذي أعطاه معنى الحياة.

الهدية

كان محمد بن راشد هدية الله تعالى لوالدته الشيخة لطيفة التي انفطر قلبها بعد وفاة أصغر أولادها مروان الذي توفي صغيراً، رحمه الله، وظل قلبها كسيراً بسبب فقده، لكن إرادة الله تعالى شاءت جَبر هذا القلب الكسير، فرأت في منامها أن الله سيرزقها غلاماً تسمّيه (محمد) وتحققت البشرى، وجاء صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، فأزهرت حديقة قلبها بمَقْدمه.

ومنحته من الحب ما جعله يشعر أنه الأقرب إلى قلبها، رغم حرصها على حب جميع أولادها، وقد تسللت هذه المحبة إلى قلب سموه منذ طفولته الأولى، وظل محتفظاً بها بين جوانحه ليقصها علينا بعد هذا العمر المديد السعيد فيقول: «كانت محبتها عظيمة لجميع أبنائها لكنّني كنتُ الأقربَ إليها. كانت تستيقظ مبكراً لتُعدّ لنا الفطور، رغم وجود من يخدمها في البيت. لا أزال أذكر رائحة خبز أمي، وأذكر حديثي معها في الصباحات الباكرة.

وكانت تُعدّ فطوري كل يوم قبل ذهابي للمدرسة وفي الطريق كنتُ أقسمه نصفين؛ لي نصف، ولمُهرة كنت أحبها النصف الآخر»، ثم اكتشفت أمه هذا الصنيع فزادت من كمية الطعام إكراماً لشهامة قلبه وحبه للخيل، ليختم هذه القصة الأولى بإحساس شجيّ يقطر ألماً وحزناً على تلك الروح الطيبة فيقول: «هكذا هي الأم لا تشبع حتى ترانا نأكل، ولا ترتاح إلا بعد أن ننام، ولا تفرح إلا إذا زالت عنّا الأحزان». ثم يعلو صوته بهذه الترنيمة الحزينة التي تؤكد هذا الحب العظيم المتجذر في أعماق قلبه لهذه الأمّ الرؤوم فيقول:

مهما الليالي تدور

حبّك ترا في الصدور

إنتِ بدر البدور

لك كل حب وشعور

وأنت يا صاحب السمو، سيدُ الفرسان وقمر الظلماء الذي لا يغيب.

حنين

في القصة الأولى استلهم سموه بإحساسه الشعري البديع مقطعاً شهيراً جداً للشاعر الفلسطيني محمود درويش يقول فيه:

أحنّ إلى خبز أمي

وقهوة أمي

ولمسة أمي

وتكبر فيّ الطفولة

يوماً على صدر يومٍ

وأعشق عمري

لأني إذا متّ أخجل من دمع أمي

وفي القصة الثانية يستلهم سموه من شعر الشاعر الشهير نزار قباني، ويفتتح القصة بقوله: يقول نزار قبّاني في رثاء شريكة حياته بلقيس:

بلقيسُ

كانت أجمل الملكات في تاريخ بابلْ

بلقيسُ

كانت أطولَ النخلات في أرض العراق

كانت إذا تمشي

ترافقها طواويس

وتتبعها أيائلْ.

ثم يعلّق سموه على هذا الاقتباس البديع بقوله: «ذكّرتني هذه الأبيات بأمي الشيخة لطيفة، كنتُ أراها وأنا صغير، أذكرها وهي تمشي وخلفها مجموعة من الغزلان التي اعتنت بها منذ صغرها، ترافقها وتتبعها أينما ذهبت، كانت أمي أميرة وجميلة، كانت أمي أجمل الملكات، كانت أمي أطول النخلات، كانت إذا تمشي يرافقها غزال، وتتبعها عناية الرحمن».

وتأكيداً لهذه المحبة الخالدة يذكر سموه أنه ذات يوم أهدى والدته غزالاً صغيراً عثر عليه في الصحراء، بعد أن تركته أمه بعد ولادته فلم يجد قلباً أرحم ولا أحنّ من قلب والدته، فحمله وكان هديته إليها، وفرحت كثيراً بهذه الهدية الرمز، وفرح سموه من أعماق قلبه لفرح أمه ولخّص شعوره الدافئ بقوله: «ابتسامتها كانت حياة، كانت أجمل ما في الحياة»، ثم قال بنبرة لا تخلو من الحزن الشفيف: «من يشبهك يا أمي.. مَن مثل أمي؟».

ساكنة القلب

وفي القصة الثالثة يُسدل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الستار على هذه الشخصية التي سكنت سويداء قلبه وإلى الأبد، مؤكداً في بداية القصة أنّ كل من لم يذُقْ حبّ الأم وحنانها لم يذق طعم الحياة، ليسجل بعد ذلك تلك اللحظات الرهيبة حين غادرت هذه الروح الطيبة الدنيا في مايو عام 1983، واقرأ معي لوعة سموه وهو يقول في سيرته هذه بعد كل هذا العمر:

«فقدتُ أمي، فقدتُ حبيبة قلبي ونظر عيني، وفقد أبي شريكة حياته وسنده وحبه وصديقته ورفيقته وحبيبته بعد أكثر من أربعين عاماً»، مصوراً الأثر العميق الذي تركه فقدها على نفسية والده.

حيث كان لا يتخيل أن يكون هذا الجبل الراسخ الأشم الوقور الصبور الذي صمد أمام أعتى تحديات الحياة رقيقاً إلى هذا الحد، لكنّ فقد (لطيفة) عصف به فلم تعد حياته كما كانت، وظل شديد الوفاء لها حريصاً على ذكراها، لينفجر باكياً وهو الرجل الشجاع الصبور في موقف عاطفي خالد سجّله صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، للدلالة على كمال إنسانية والده وشهامة قلبه الجريء الشجاع.

وتخليداً لتلك اللحظات عميقة الأثر في النفس، يختتم سموه هذه القصة المؤثرة جداً في النفس الإنسانية بوصف شعري أخّاذ للحظات الوداع الأخيرة فيقول: «كانت جنازتها مهيبة، حضرها الآلاف وبكى فيها الآلاف على أم دبيّ، نزلتُ معها في قبرها وسجّيتها في مثواها الأخير ودموعي لا تتوقف، ثم خرجتُ من القبر، عند خروجي سقطت ساعتي بجانبها، انعقد لساني من هول اللحظة، لم استطع الكلام، نظرتُ إليها ونظرتُ إلى ساعتي بجوارها وألمٌ فظيعٌ يعتصر قلبي، وصوتٌ ما يهمس في داخلي: شيءٌ مني معها».

لعمرُ أبي يالوجوه الحبيبة

إني لها قد غزلتُ الحروفْ

ورفرف بين الضلوع اشتياقا

على البُعد هذا الشقي الألوفْ

خيالاتُ أحبابه الراحلين

تُطالعه دانيات القطوفْ

بنيتُ لهم كعبة للحنين

فإن أتعبتني خُطاي

تركتٌ بها القلب بعدي يطوفْ

المُلهِم

وكما كان سموه وفيّاً لهؤلاء الآباء الكرام، كان وفياً لشيخه ومعلمه وملهمه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، شيخ البلاد وباني نهضتها، فخصّه بقصة بديعة، هي القصة رقم (45) من سيرته الرائعة عنوانها «رحيل زايد»، استعرض فيها الكثير الطيب من سيرته العاطرة الخالدة في قلوب أبناء الإمارات، فالشيخ زايد ليس ممن ينساه الناس.

وحين نقرأ صورته كما صوّرها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في هذا الكتاب، نزداد له حباً ولذكراه إكباراً، واقرأ معي هذا الكلام النبيل النابع من قلب صافٍ وروح كريمة حين يقول سموه عن أثر زايد العميق في الرجال الذين جلسوا بين يديه واقتبسوا من حكمته: «علّمنا زايد كيف يمكن أن يبقى الإنسانُ حياً في القلوب والعقول، علمنا زايد كيف يمكن أن يبقى الإنسان عالياً في الحياة وفي الممات»، لتذكرنا هذه الكلمة الأخيرة بتلك الأبيات الخالدة لأبي الحسن الأنباري التي قالها في رثاء أحد عظماء الدولة العباسية فقال:

عُلوٌّ في الحياة وفي المماتِ

لَحَقٌّ تلك إحدى المكرماتِ

عليك تحيةُ الرحمن تترى

برحماتٍ غوادٍ رائحاتِ

وبفيضٍ شعري بديع يستحضر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بيتاً بديعاً للمتنبي يقول فيه:

لك يا منازلُ في القلوب منازلُ

أقفرتِ أنتِ وهُنَّ منكِ أواهلُ

يستحضره للدلالة على المكانة الفريدة للشيخ زايد فيقول: «زايد هو الأول في كل شيء، والأول دائماً، له محبة مختلفة ومكانة مختلفة، له منازل في القلوب أيّ منازل، صحبتُ زايد في الكثير من اللقاءات والاجتماعات والأزمات أيضاً، وإن كان لي أن أصفه بكلمة فهي «الحكمة»، والحكمة كنزٌ عظيم يؤتيه الله من يشاء من عباده: {ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً} (البقرة: 269).

وبحسب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، فقد كانت حكمة الشيخ زايد، رحمه الله، تتجلى في التصرف الراشد بأموال النفط التي سخّرها لبناء تنمية مستدامة لشعبه، وبناء إنسان قادر على إكمال حلمه، وكان سابقاً لزمانه بتأسيس الصندوق السيادي للاتحاد الذي هو صمّام أمان للدولة وضمان للشعب، والذي غدا بفضل السياسة الرشيدة واحداً من أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم.

كما تجلت حكمته السياسية في إدارة اتحاد الإمارات، حيث بذل من الجهد الصادق ما لا يعلمه إلا الله تعالى، في سبيل توحيد البلاد تحت راية واحدة للانخراط في تنمية الوطن بقلوب متآلفة وسواعد متكاتفة، فكان له ما أراد، وأنجز بالتعب والتخطيط مع الشيخ راشد أعظم حلم للشعب.

وهو إنشاء دولة قوية ذات سيادة وطنية تولى فيها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، أعظم المسؤوليات في سنّ مبكرة جداً، فأحب الشعبُ الشيخ زايد لبساطته وسخاء كفه ورحمة قلبه، واستطاع أن ينجز معادلة صعبة جداً مع دول الجوار.

حيث عمد إلى تجفيف منابع النزاعات الجانبية ليتفرغ الشعب والقيادة لمعركة الإعمار وبناء الإنسان في ظل الوطن النموذج، فكانت الإمارات هي القدر اللامع في سماء الغيب، ففرحت بها الشعوب العربية، وبنبلٍ أصيل يذكر صاحب السمو الشيخ محمد أنّ الملك الراحل الحسين بن طلال، ملك الأردن، رحمه الله، كان أول المهنئين والداعمين لقيام اتحاد الإمارات، مؤكداً في هذا السياق المكانة العظيمة للشيخ زايد في نفوس العرب.

، حيث كان يسعى في مصالحهم ويبذل أقصى الجهد في سبيل رأب الصدع إذا وقع بينهم، فحلّ كثيراً من الخلافات، وسعى السعي الحثيث في سبيل إنجاز مجلس التعاون الخليجي المشترك، في إطار نظرته الحكيمة لتوحيد أكبر قدر ممكن من الجهود العربية كي يظل للعرب هيبة وكلمة مسموعة في عالم لا يحترم إلا القوي المتمكن.

خلق كريم

وبإنسانية عالية يلفت صاحب السمو الشيخ ّمحمد بن راشد نظر القارئ إلى الخلق الكريم الذي استحق به الشيخ زايد هذه المحبة الراسخة في القلوب فيقول: «كان زايد من الرجال المخلصين الذين يعملون في السرّ أكثر من العمل في الجهر، ولعل هذا الإخلاص في السر هو سرّ محبته التي غرسها الله له في قلوب الخلق، وشهادتنا في عمل زايد للخير مجروحة، لأنه علّمنا معنى العطاء دون انتظار مقابل، وتعلمتُ منه بشكل شخصي العطاء في السر، فالمعلن من تبرعات وعطايا زايد أقلّ مما أعرفه شخصياً، كان رحمه الله صاحب قلب كبير وعمل مخلص».

وتأكيداً للخلود المعنوي للشيخ زايد، رحمه الله، يختتم سموه هذه القصة المخصصة لذكرى زايد بقوله: «حتى في رحيله ترك لنا زايد حكمة عظيمة: ما مات مَنْ بنى أوطاناً، ما مات من خلّف قادةً ورجالاً، ما مات من فعل معروفاً، وما مات من صنع أجيالاً، هم أحياء عند ربهم يرزقون، وفي قلوب الناس باقون باقون.. في جنة الخلد يا زايد الخير».

سجلٌ خالد

سيدي صاحب السموّ الشيخ محمد بت راشد.. ليت المقام يسمح لاستكمال سرد الكثير والكثير من ملامح الإنسان الرائع الساكن في أعماقك، ليتني أستطيع أن ألخّص الحكاية التاسعة عشرة «كامبريدج»، كي يعرف الناس طبيعة الحياة التقشفية التي عشتها أثناء دراستك العسكرية في إنجلترا، ليتني أستطيع وصف شعورك الإنساني النبيل في قصة «الخيمة الشمالية» التي رويتَ فيها للأجيال القادمة قصة بناء دولة الإمارات.

وعذابات الوصول إلى الاتحاد، ليتني أستطيع أن ألخص للقراء سكينة قلبك يوم غادرت الوطن إلى مكة المكرمة طالباً العون من الله لإكمال مسيرة الاتحاد والنهوض بأعباء البلاد والعباد، ليتني أستطيعُ التوقف عند قصصك الخمسين التي كتبتَها بماء القلب وضَوْءِ الروح، كي تظل سراجاً ينير الطريق لهذه الجموع التي تحبك وتزدهي بفروسيتك وأخلاقك العالية، التي تجسّدت في أروع تجلياتها في هذه السيرة الباهرة التي تحكي قصة الإنسان الوفي لدينه ووطنه وأمته وأبيه وأمه وأشياخه، في واحدة من أروع إنجازاتك الأدبية التي ستكون سجِلاً خالداً لمنجزات الوطن وتاريخه الزاهر بك وبأعوانك من فرسان البلاد ورجالها الكبار.

اقرأ أيضاً:

قصتي.. سيرة قائد وفارس عطرها العز وتاجها الإنجاز والتفرّد

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات