قصتي.. سيرة قائد وفارس عطرها العز وتاجها الإنجاز والتفرّد

«قصتي.. 50 قصة في خمسين عاماً»، عنوان كتاب جديد لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وهو ليس أول مؤلَّف لسموه، بل سبقته مؤلفات عدة مثل: «زايد» ديوان شعر، «ابتهالات» ديوان شعر، «أربعون قصيدة من الصحراء»، «ومضات من فكر»، «تأملات في السعادة والإيجابية»، «ومضات من حكمة»، «روح الاتحاد»، والكتاب الأهم هو «رؤيتي».

صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، الحاكم والشاعر والكاتب والفيلسوف والفارس، مؤلف مخضرم عاصر العهدين في الإمارات، ما قبل الاتحاد وما بعده، وعايش الشيخين، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والمغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراهما.

وكتاب سموه الذي بين أيدينا من القطع المتوسط، يقع في 306 صفحات، وطبعته فاخرة بجلدها، وفخمة بلونها، يضم خمسين عنواناً، وضمّنه سموه أربعاً وتسعين صورة، تمثل مراحل ومواقف مختلفة.

استهل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد كتابه القيِّم بمقولة من مقولاته الخالدة وهي: «سيقولون بعد زمن طويل: هنا كانوا، هنا عملوا، هنا أنجزوا، هنا ولدوا، وهنا تربوا، هنا أحبوا، وأحبهم الناس».

وفي هذا الافتتاح الموجز إشارة إلى أن الذي يبقى هو العمل، وأما الجسم فيفنى لا محالة، وإن جاز لنا أن نفاخر ونفتخر، فلنفتخر بالعمل الصالح والعمل النافع،...... ونذهب ذكرى خالدة، قال تعالى: «فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض».. (سورة الرعد - الآية 17).

وفي الحديث الشريف: «إن مِن أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إليّ وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون، قالوا يا رسول الله قد علمنا «الثرثارون والمتشدقون»، فما المتفيهقون؟ قال المتكبرون»، رواه الترمذي.

ويقول الشاعر في مكارم الأخلاق:

وإني لألقى المرء أعلم أنه

عدوٌّ وفي أحشائه الضغن كامن

فأمنحه بِشري فيرجع ودّه

سليماً وقد ماتت لديه الضغائنُ

بشائر

بعد هذا التمهيد أودّ أن أزف البشائر إلى قلوب المتعطشين لقراءة التاريخ ومكارم الأخلاق، وسِير الرجال، بأني استمتعت بقراءة هذا الكتاب القيم، المُهداة إلي من سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، نسخة منه.

والكتاب في غاية الجمال والكمال، لأنه يحمل بين ثناياه الحقائق والكثير من الصور الإيجابية التي تخلّق بها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد منذ نعومة أظفاره، ويدعو الناس إلى التخلق بمثلها.

وافتتح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد كتابه بالبسملة لإيمان سموه بأن الإنسان مهما يؤت من قدرات فإنه لن يحقق ما يريد إلا بتوفيق ومباركة من الله سبحانه وتعالى، وقديماً قال الشاعر:

إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى

فأوَّل ما يجني عليه اجتهاده

وقد لاحظت لدى سموه إيمانه بهذا المبدأ من خلال تصفحي للكتاب، ففي المقدمة قال: «بدأنا عملنا قبل خمسين عاماً، واضعين أمامنا كلام الله، قال تعالى: وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون».

وعندما تحدث عن جده المغفور له الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم، استشهد بموقف إيماني له، وهو أنه كان يقوم قبل صلاة الفجر ويذهب إلى بئر المسجد ليملأ بدلوه حوض المسجد قبل أن يأتي الناس للوضوء.

وعندما زار سموه شاه إيران يوم تتويجه، أعجب بتلك الأبّهة، لكن سرعان ما انكشف له أن الملك لله وحده، هو ملك الملوك، ولا يدوم مُلك لمتكبر لأن الكبر لله وحده.

وتحدث سموه عن والده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد، فقال إنه كان يبدأ يومه بالاستيقاظ لصلاة الفجر ثم يبدأ جولته الميدانية.

وعندما يتحدث سموه عن حبه للخيل، يبرر ذلك بقوله: «القرآن أثنى على الخيل ورب العزة حلف بها فقال: والعاديات ضبحاً».

وعندما كان يُعدّ «أم حلج» للسباق يقول: «سحبت كندورتي على عجل، بل وتوضأت وصليت ثم سارعت إلى فرسي».

وفي لندن عندما وصلوا إلى الفندق ودخل غرفته، أول شيء أمره به والده الصلاة، إذ قال له: «اغتسل وصلِّ وارتد ملابسك قبل أن نقابل رئيس الوزراء».

وعن الفترة التي كان فيها يتدرب على دخول البحر ومعايشة معاناة «الغواويص»، يقول سموه: «جلست أتأمل البحر ثم توجهت إلى الله بدعائي أن يعينني على خدمة هؤلاء».

وفي عام 1968 عندما طلب منه والده البدء في إنشاء قوة دفاع اتحادية، يقول سموه: «استأذنت والدي في الذهاب إلى مكة للعمرة وطلب العون من الله».

وفي نهاية الكتاب يقرر سموه بأن الذي يُقرِّب الإنسان من ربه هو عمله الإنساني، وهكذا نجده دائماً وأبداً يعمل بعيداً عن الاغترار بنفسه، بل يطلب العون والمدد من الله، وهذه كلها مواقف إيمانية وطاقات إيجابية لدى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، ولعل هذا هو سبب نجاحه ونجاح دبي.

إنجازات

هكذا، فإن سموه، وعندما يقدم اليوم لشعبه والعالم إنجازاته عبر خمسين سنة، في هذا الكتاب، لا يفعل ذلك غروراً ولا مباهاة، بل يسمي ذلك اجتهادات قد تصيب وقد تخطئ، والله سبحانه وتعالى يعطي للمجتهد إذا أصاب أجرين، وإذا أخطأ أعطاه أجراً واحداً، وفي كلٍّ خير، المهم ألا يتعمّد الإنسان الظلم وهضم حقوق البشر.

نعم.. وضع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، الإنسان نصب عينيه في كل تحركاته، لأن الإنسان هو رمز الخير في هذا الوجود، والله تعالى يقول: «لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون». (سورة التين 4-6).

ولو أمعنّا النظر في عناوين الكتاب لوجدنا أن سموه لم يتحدث عن سيرته الذاتية، قدر تحدث عن إنجازات ومواقف ومحطات ذات أهمية في حياته، وهذا ينسجم تماماً مع اسم الكتاب «قصتي»، وربما يقصد قصة نجاحه، وإلا فقصة سموه تحتاج إلى مجلدات.

وشدّ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد انتباهي، مع هذا الكتاب، عندما رأيت أول صورة لسموه وهو في منزل جدّه المغفور له الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم، بالشندغة، في حين أن الموضوع الأول الذي تناوله بالحديث، هو رحلة المريخ ورواد الفضاء الإماراتيين، وكأنه يريد أن يوصل بذلك رسالة إلى العالم بقوله: «من هناك بدأنا وهنا وصلنا»، فليس المهم كيف كنا وإنما المهم أين نحن اليوم؟ والطموح العظيم يقودنا إلى الأمام كما قال سموه.

نعم.. سموه يعتز ونحن معه نعتز، بأنه عن قريب سيصل ابن الإمارات إلى المريخ، ومع ذلك فإنه لا ينسى الحياة الأولى التي عاشها في بيت جده المكون من الطين والحجارة المرجانية في دبي.

ولا ينسى أيضاً أن ينسب الفضل إلى ذلك العهد وإلى ذلك الجدّ المغفور له الشيخ سعيد بن مكتوم، الذي فتح أمامه أبواب هذا الخير، فالجدّ بتعلقه بالمسجد وصلاة الفجر، كتب الله له نجاحاً أسعده وأسعد ذريته من بعده، وإننا باجتهادنا وبصلاح الآباء والأجداد نوفق بإذن الله، ما دامت النية طيبة، لأنه كما قال الشاعر:

عباراتهم شتّى وحُسنك واحد

وكلّ إلى ذاك الجمال يشير

قيمة

أفاض صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في الحديث عن جده المغفور له الشيخ سعيد بن مكتوم، ووالده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد، ووالدته المغفور لها الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان، وعن أخويه المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد، وسمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية، في هذا الكتاب.

وما كتبه عن والده مؤثر جداً، لا سيما عندما تحدث عن آخر أيامه، وبعد وفاة زوجته الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان، ومدى تأثره بوفاتها. ولقد أبكتني قراءة سيرته مرتين، مرة عندما قرأت كتاب كمال حمزة مدير بلدية دبي سابقاً، عن الشيخ راشد بن سعيد، وبكيت الآن مرة أخرى عندما كتب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد عن والده، وكيف طلب الشيخ راشد بن سعيد كمال حمزة ليملي عليه وصية المغفور لها الشيخة لطيفة، رفيقة دربه، وكيف كان متأثراً، حتى إنه لم يستطع أن يفاتحه في الحديث من شدة البكاء.

وفي الوقت نفسه تأثرت أيضاً تأثر المُعجب بشخصية المغفور لها الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان، التي كانت الزوجة والأم الحنون، ورفيقة الدرب، التي كانت تتقمص شخصيات أخرى مثل العالِم باستخدامات السلاح وبالفروسية وأدواء الخيل، والعالِم بالأعشاب الطبية، وتفقد أحوال الناس ذوي الاحتياجات، وغير ذلك من الصور الإيجابية.

تقسيم

بتصفحنا للكتاب نرى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، يقسّم حياة الطفولة إلى ما قبل الثامنة وإلى ما بعدها، ففي فترة ما قبل الثامنة يبدأ سموه بالحديث عن وفاة جده الشيخ سعيد بن مكتوم، وكان يوماً مهيباً، حيث بكى الرجال والنساء على فقده، ونُكست الأعلام.

ومما ذكره من ذكريات فترة ما قبل الثامنة من عمره، نومه مع العقارب، وما من ليلة إلا وكان يقوم متألماً من لدغات العقارب، واكتشف فيما بعد أن الذي كان يتولى تربيته على حياة الصحراء، كان يتعمد أن يضع من 10 إلى 12 من صغار العقارب في فراشه ليبني مناعته ضد لدغات العقارب، ومنذ ذلك اليوم أدرك سموه أنه ليس كل ما يؤلمك شر، وقد بنى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، فلسفة خاصة على ذلك فقال: «عقارب الصحراء أهون من عقارب البشر».

ومن المعلوم لنا أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، لا يحب الوشاة ولا النمامين، وهكذا كان المغفور له الشيخ راشد بن سعيد، رحمه الله، حيث كان يستمع إلى الجميع، ولكنه لم يكن ينتظر الواشي لينقل إليه خبر فلان وخبر علّان، وإنما كان يبني حكمه على قناعاته الشخصية.

نعم.. ولو عدنا لتلك المرحلة، حين كان سموه في ما قبل الثامنة من العمر، لوجدنا أن والده أرسله إلى المدرسة ليتعلم القراءة والكتابة، وفي الوقت نفسه أرسله إلى من يأخذه إلى الصحراء، فيتعلم كيف يتعقب الأثر ويقرأ الرمال، وفتح معلّمه عينيه بالفعل على الغزلان والحبارى والأفاعي والذئاب، ودربه على الصيد بالصقور، وعلّمه قراءة ردّ فعل الحيوانات عندما ترى الناس، وعلمه الرماية، وعرّفه والده، رحمه الله، إلى تضاريس الأرض وعلامات النجوم والرياح.

ومن خلال التعامل مع الصحراء وحياة البر، اكتشف سموه أن البشر أقسى من الصحراء بكثير، وأن الصحراء رغم ما فيها من قسوة الحياة والهوام والحيوانات المفترسة، ألطف من البشر، والتعامل معها أسهل، وقد صدق الشاعر عندما قال:

عوى الذئب فاستأنستُ عند عُوائه

وصوّت إنسان فكدتُ أطير

3 مؤثرات

وفي النهاية، يقرر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أن ثلاثة في حياته لها تأثير إيجابي: الخيل ووالده ودبي، لأن الثلاثة في فكره تجمع بين العزة والأنفة والرقة والقوة.

ومن ذكرياته في مرحلة ما قبل الثامنة أيضاً أنه كان شديد التعلق بأمه المغفور لها الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان، وأمه كانت شديدة التعلق به أيضاً، لأنه هبة الله لها من بعد مروان الذي توفي صغيراً وقد حزنت عليه أمه.

يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد: «وأول هدية في حياتي هي تلك الغزالة الصغيرة التي أهديتها لأمي، وأمي كانت تحب الغزلان، وتلك الغزالة الصغيرة فقدت أمها في الصحراء، فلم أجد قلباً أحنّ عليها من قلب أمي الشيخة لطيفة، فقلت في نفسي: أميّ أعطتني الحياة وستعطيها أيضاً».

أول رحلة

ونقرأ لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، في هذا الكتاب، عن أول رحلة له إلى الخارج، رفقة والده، في زيارة إلى شاه إيران محمد رضا بهلوي، ليرى أُبّهة المُلك لأول مرة، ويرى البذخ الإمبراطوري لأول مرة، إذ كان يحتفل الشاه حينذاك، بمرور 2500 سنة على الإمبراطورية الفارسية، وبلغت تكاليف ذلك الحفل الأسطوري 100 مليون دولار.

يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد: «استمتعت بذلك الحفل البهيج، لكنني جلست وأنا صغير أفكر بيني وبين نفسي، وأقارن بين ذلك البذخ وبين بساطة الحكم في الإمارات، ورأيت كيف يعيش الشاه في برج عاجي معزول عن الشعب، وكيف يجلس والدي على المائدة متواضعاً مع أفراد من شعبه، وأين ذلك القصر من مكتب والدي في مجلسه المفتوح على خور دبي».

أقول وفي مثل هذا الموقف المتجرد من الروحانيات، يستحضر الإنسان حياة شيخ المتصوفين الجنيد البغدادي الذي رؤي في المنام بعد وفاته، فقيل له ماذا فعل الله بك يا أبا عبدالله؟ قال لقد ذهبت تلك الإشارات، واختفت تلك العبارات، وفنيت تلك الرسوم، ولم نستفد إلا من ركيعات كنا نركعها وقت السحر.

نعم.. وألاحظ أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، وهو رجل له نظرته الفلسفية، يدور في فلك الثلاثيات أحياناً، فيعتقد أن بعض الأشياء فيما بينها تلازم كتلازم لازم وملزوم، فنراه مثلاً يؤمن بالثلاثية الأولى التي هي: والده والخيل ودبي، ويعتقد أنها مصدر عزته وقوته وسعادته.

والثلاثية الثانية التي تدور حول كلمة لطيفة فيقول في القصة رقم 5: «لطيفة هي المرأة الناعمة والرقيقة والنادرة، ولطيفة في الاصطلاح هي المقولة التي تشرح الصدر، ولطيفة في الحياة هي أمي ورفيقة درب والدي الشيخ راشد». ويذكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، ثلاثية أخرى عندما يتحدث عن جولات والده اليومية في دبي ومروره بالمشاريع، فيقول عن فوائد هذه الجولات: «إشعار المقاولين بمغبّة التأخير، وتحفيزهم بهذه الزيارة، ومنع الفساد المالي، حيث إنه يضعهم تحت المجهر».

ومن الثلاثيات التي آمن بها المغفور له الشيخ راشد، ويؤمن بها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، أيضاً، هي أن راشد بن سعيد قرّر منذ الأيام الأولى من حكمه ثلاثة أشياء استراتيجية للعمل، الأول: مجالس للبلدية والتجار وغيرهم من الموهوبين، إذ لا غنى له عن عقول الآخرين، والثاني: صنع القادة إذا ما وجدنا القادة حولنا، والثالث: القادة الحقيقيون هم من يمتلكون الأموال، فالاقتصاد هو مُحرك الساسة وليس العكس.

يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في كتابه: «هذه الثلاثية نصائح من حكيم ومعلم أصبحت منهج حياة لي، وفلسفة حكم مع شعبي».

وهناك ثلاثية أخرى تعبر عن أهم منجزات الشيخ راشد بن سعيد وهي: «ميناء جبل علي، ومصهر الألمنيوم، ومركز دبي التجاري العالمي».

الفارس

وفي الكتاب نقرأ عن علاقة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، بالخيول، وحبه لها حد العشق. ولا يزال سموه يذكر حصان والده المعروف بـ «الصقلاوي» الذي رباه الشيخ راشد بن سعيد صغيراً، وكان يتنقل عليه في البلاد قبل أن يستخدم السيارة.

ومن «الصقلاوي» إلى «أمّ حلج»، وقصتها أن الشيخ راشد بن سعيد أراد أن ينظم سباقاً للخيل في دبي، وكان عمر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، يومئذٍ، 10 سنوات، فطلب منه والده أن يختار ما يريد من خيوله ويدربها استعداداً للسباق.

وبما أن أخوي سموه، المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم وسمو الشيخ حمدان بن راشد، أكبر منه سناً فليس له إلا الخيار الثالث، وكان عبارة عن مهرة مصابة اسمها «أم حلج»، تطلبت منه علاجها، وعاونته والدته على علاجها، ثم توطدت العلاقة بينه وبينها لدرجة الصداقة، وتعلّم منها منذ ذلك اليوم الوفاء والتحدث مع الخيل، وتعلّم أيضاً أن الإنجاز لا يأتي على طبق من ذهب، والإنجاز إذا لم تعطه كلّك لم يعطك كلّه.

ومن خلال هذه المهرة «أمّ حلج» تولدت عنده قناعة بثلاثية أخرى هي: «الحب الأول والخيل الأولى والسباق الأول وهي لحظات تبقى محفورة للأبد».

ثم يقول: «وخيولنا نحن الإخوة الثلاثة عند دخول السباق كانت ثلاثة أيضاً هي: العودة للشيخ مكتوم، والحمدانية للشيخ حمدان، وأم حلج التي كانت من نصيبي وفازت على سائر الخيول».

انطباعات

وفي الكتاب يحدثنا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، عن زيارته للندن ومقابلته رئيس وزراء بريطانيا، وكيف كان يتصور رئيس الوزراء آنذاك هارولد ماكميلان، قبل لقائه، لكنه لما التقى به رآه يرفع ساقه فوق الأخرى، على خلاف ما كان يرى الناس في مجلس والده.

فخرج من هذا الموقف بانطباع لم يتوقعه أبداً، كما خرج من مجلس الشاه بانطباع، مع الفارق بين الموقفين، وفهم عندئذٍ أن على الإنسان أن يساير ويجامل في سبيل مصلحة بلاده أحياناً، لكن تبقى قيمه وعادات بلاده هي الإرث الذي تتوارثه الأجيال منه ولا تنازل عنها.

جوانب

نعم.. ويتناول الكتاب جوانب عدة في حياة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، منها التربوية والسلوكية والاجتماعية والإنسانية، والثقافية والأدبية، والسياسية والاقتصادية، والذاتية والنفسية، والعسكرية والدفاعية، ومنها الاستراتيجيات والرؤى والطموحات.

ففي الجانب التربوي يتحدث صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، عن تربيته في كنف أب قائد كالشيخ راشد بن سعيد الذي يصفه قائلاً: «كنت أسمع صوت والدي في عقلي وقلبي دائماً (ستكون مسؤولاً عن حماية الاتحاد) كانت تلك العبارة تمنحني طاقة غير طبيعية».

ويتحدث عن تربيته على يد أم حنون كالشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان التي يصفها قائلاً: «من يشبهك يا أمي؟ من مثل أمي؟ ولا أزال أشم رائحة خبز أمي».

وفي الجانب السلوكي يتحدث عن الأدب الذي تربى عليه وهو احترام الأكبر، واحترام الأعلم، فيقول عندما يتحدث عن المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم: «الأخ الأكبر دائماً يبقى احترامه مقدماً في جميع الأحوال، تربينا على ذلك، وأنا شخصياً حتى اليوم لا أقدّر أي إنسان لا يحترم من هو أكبر منه في أسرته».

وفي الجانب الاجتماعي يتحدث عن حياة والدته الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان قائلاً: «كانت أمي أم دبي، كانت تعالج مرضاهم، وتواسي فقيرهم وتسمع لنسائهم وتشاركهم أفراحهم وأتراحهم، وتتفقد الجيران.....».

وفي الجانب الإنساني يقول سموه : «أنا لا أعتمد على جهودي الشخصية في العمل الإنساني، بل على الجهود المؤسسية، لذا أنشأت دبي العطاء، ثم مؤسسة خيرية، ثم مدينة عالمية، ثم المؤسسة المعرفية». وطبعاً، كلها ضمن مبادرات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد.

وفي الجانب الثقافي والأدبي يقول سموه: «أرسلني والدي إلى مدرسة لأتعلم القراءة والكتابة واللغة والعلوم، وأخذني معه في مجالسه وجولاته ورحلاته لأتعلم الحياة».

وتحدث عن إصرار والده على أن يذهب إلى لندن لتعلم اللغة الإنجليزية التي رأى الشيخ راشد بن سعيد أنها مفتاح المغاليق في هذا الزمن، فتعلم اللغة وتعلم قيمة المال في الغربة.

وأما الشعر فقد برع فيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، حتى صار يكتب ألغازاً لا يدرك كنهها الشعراء إلى يومنا هذا.

وفي الجانب السياسي والاقتصادي يؤكد الكتاب أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، يسير على نهج والده وأجداده فجاء في حديثه: «جاء والدي الشيخ راشد، وكان كل تركيزه وطاقته ووقته منصباً على المشاريع والاقتصاد وكان يتجنب أي شيء يمكن أن يجر بلادنا إلى مستنقعات السياسة».

ويقول أيضاً: «وصية جدي لنا التنوع الاقتصادي وعدم الاعتماد على مصدر واحد».

وفي الجانب النفسي يقول سموه، إن والده سلّمه إلى حميد بن عمهي، أحد شيوخ المناصير ليعلمه الصيد، وكان حميد يأخذه إلى البر فينام في الصحراء مع العقارب، حتى تعود على لدغاتها، وحصلت له المناعة فعلاً، وبالمقارنة بين عقارب البر وعقارب البشر، حصل له انطباع نفسي بأن التعامل مع عقارب الصحراء أهون من التعامل مع عقارب البشر.

وفي الجانب العسكري والدفاعي، تعلّم سموه في بريطانيا حيث يقول: «لم يكن هناك أفضل من المملكة المتحدة، لتقارب ممارساتهم العسكرية مع ما كان موجوداً ومألوفاً لدينا».

لذلك فإنه عند قيام الاتحاد سلّم إليه المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان والشيخ راشد بن سعيد، مهام حماية الوطن، فصار وزيراً للدفاع، وكان أصغر وزير دفاع في العالم يومئذ.

هذا وتحدث صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في كتابه «قصتي» عن استراتيجياته وطموحاته وزيراً للدفاع في الحكومة الاتحادية، ومسؤولاً عن القضاء والأمن العام في دبي، وبعد ذلك وليَّ عهد دبي، ثم نائباً لرئيس الدولة رئيساً لمجلس الوزراء حاكماً لدبي، قائلاً:

«لدي طاقة تنافسية عالية، لدي هدف دائم أن أكون في المركز الأول، ويقيني أن الدول تزدهر بالإدارة الجيدة للاقتصاد وللخدمات الأساسية للشعب، وبالعلاقات الجيدة مع الجيران، وإن السرّ وراء عظمة أي دولة ليس في نفوذها العسكري بل في قوتها التنموية».

كما يؤكد سموه في هذا الكتاب أن هناك مسلّمات يؤمن بها مثل أن: «أزمة العرب أزمة إدارية وليست سياسية، والتوقف عن التعلم توقف عن الحياة، وأكثرنا رحمة أقربنا إلى الله، البحث عن الإنسان يكون داخل الإنسان»، لذلك أطلق سموه: صناع الأمل، وأعلن عن عام القراءة، وقال: «لا نحتاج إلى كثير من المال بل في حاجة إلى قلب يتلمس مواضع الخلل ويعمل بإخلاص».

سر النجاح

يعزو سموه سرّ نجاحه إلى أنه حظي بتعاون كامل من قادة الإمارات، خاصة من المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان والشيخ راشد بن سعيد، وبه استطاع أن يخرج باستراتيجية تعبر عن الإمارات عموماً، وعن دبي خصوصاً.

ويعرض الكتاب أسماء أشخاص سكنوا ذاكرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، حتى اليوم، لا ينساهم، ويعدهم من أوائل المعلمين له في مختلف جوانب الحياة، وهم: المغفور له الشيخ راشد بن سعيد والده ومعلمه الأول، وكذلك والدته «أم دبي»، والمغفور له الشيخ زايد بن سلطان معلمه الثاني بعد والده، ويعتز بأخيه المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد، الأخ الأكبر ويثني عليه ثناء جميلاً، ويذكر أنه كان موجهه إلى الخير في كثير من المواقف وله فضل في قيام الاتحاد.

كما ذكر أيضاً حميد بن عمهي الذي علّمه الصيد بالصقور والتعامل مع الحيوانات المفترسة وعقارب الصحراء، وذكر أيضاً «أبوجابر» الذي علّمه الغوص والتعامل مع البحر.

بل يذهب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، إلى أبعد من ذلك، فيعدّ الحصان صديقه منذ أيام «الصقلاوي» حصان والده المميز، وإذا كان الصقلاوي في ذاكرته، فإن «أمّ حلج» و«دبي ملينيوم» يظلان في ذاكرته أيضاً، واليوم يعد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد من أكبر ملّاك الخيول على مستوى العالم، وله صولات وجولات معها، وقد وصف الخيل في هذا الكتاب بأدق الصفات، ويقول سموه إنه «يفهمها وهي تفهمه».

إدارة الأزمات

كما تحدث صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد عن طريقة تعامله مع الأزمات، وذكر على سبيل المثال «الانقلاب في الشارقة»، وحوار سموه مع إرهابي، وتعامل سموه مع إرهاب عابر للحدود، وقد تكللت جهوده بنجاح في كل هذه الأزمات.

وتحدث صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، في كتابه القيم عن قيمة الاغتراب في المملكة المتحدة، فيقول إنه تعلّم اللغة الإنجليزية، وعرف قيمة المال، لأن والده سلمه إلى مدرسة وعائلة، وهذه خير طريقة لتعلم اللغة.

وأما المال فقد خصص له مبلغاً لم يكن يكفيه، فلم يكن أمامه إلا الاقتصاد وتوفير ثمن تذكرة القطار والشاي لأصدقائه، ويقول إن والده نجح في ضرب عصفورين بحجر: «فقد تعلمت اللغة وفهمت قيمة المال».

ويلفت الكتاب نظرنا إلى بعض الأشياء التي لاحظها سموه في بيئة الإنجليز، حيث رأى أنهم يستغلون طاولة المطبخ لتبادل النقاش، فالهدف من الجلوس على طاولة الطعام ليس الأكل فقط، بل هو فرصة للتشاور.

ومن العادات الطيبة التي رآها عندهم أنهم يتبادلون التحايا مع جيرانهم في ساعة اللقاء، ولا يحبون من لا يبادلهم مثل هذا الشعور.

ومن ضمن ما تطرق إليه الكتاب أن دبي مرت بأزمات كثيرة، وأن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، خلال خمسين عاماً من عمله، رأى الكثير من المعجزات .

كما يقول سموه، بمعنى أنه لولا رعاية الله لما نجت دولة الإمارات، ولا سيما أن الشر يحوم حوالينا عن كثب، ولا تزال هذه الاضطرابات مهددة لأمننا، لكن شجرة الاتحاد التي غرسها الشيخ زايد بنية طيبة ستبقى باقية وظلالها الوارفة بإذن الله تبقى ملاذاً آمناً للمواطن والمقيم.

ولادة الإمارات

ولذلك يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في كتابه، إن هناك لحظات في حياته لا ينساها، ومنها ولادة دولة الإمارات، ويفخر سموه بأنه هو الذي اختار «عرقوب السديرة» مكاناً لاجتماع المغفور لهما، الشيخ زايد بن سلطان والشيخ راشد بن سعيد، أثناء الإعداد للإعلان عن قيام الدولة، ثم يذكر عن فرحته وفرحة الناس بالاتحاد الشيء الكثير.

في حين أن الإنجليز كانوا يتباطؤون بحجة أننا غير قادرين على حماية أنفسنا، ولا بد من وجودهم، وهنا يذكر موقفاً طريفاً يحمل الكثير من المعاني، وهو أن الشيخ راشد بن سعيد التقى رئيس وزراء بريطانيا ويلسون عام 1969، لبحث هذا الملف، وبينما هما يتناقشان أشعل الوالد غليونه، فأشعل ويلسون غليونه.

ورغم أن الغليونين متشابهان فإن الغليون الإنجليزي يبدو أكبر، وفي أثناء تدخينهما نظر ويلسون إلى الشيخ راشد بن سعيد، وقال «غليوني أكبر»، فقال الشيخ راشد مبتسماً: «صحيح لكن تبغي أقوى وأثقل من تبغك»، يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد: «عرفت بعد ذلك أن الغليون لم يكن مقصوداً، بل أرادا أن يوصلا إلى بعضهما رسالة».

ويتحدث الكتاب عن الجهود الكبيرة للشيخ زايد بن سلطان، الذي كان يحاول أن يقيم الاتحاد التساعي في البداية، لكن الخلاف على كرسي الرئاسة حال دون ذلك، فقام الاتحاد الثنائي ثم السباعي ورحل الاستعمار بعد 150 عاماً.

أحداث

كما تحدث الكتاب عن الحرب العراقية الإيرانية، والثورة الخمينية وقيام مجلس التعاون، وغزو العراق للكويت، وكيف هبّت الإمارات للدفاع عن الكويت، وهنا يذكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، فضل الكويت على الإمارات قبل قيام الاتحاد.

ولم ينس سموه، بعد ذلك أن يذكر أكبر المشاريع العملاقة في دبي التي كان الشيخ راشد يعتز بها، وهي اليوم موضع فخرنا وهي الثلاثية: ميناء جبل علي، مصهر الألمنيوم، مركز دبي العالمي.. وكيف صارت دبي وجهة العالم الاقتصادية.

يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، وبعد كل هذه النجاحات أثبتت دبي في عام 2014 أن مطارها يتخطى مطار هيثرو، فكم كانت لحظة سعيدة يوم أعلنت الصحف البريطانية ذلك النبأ.

نعم.. ولا تزال دبي تواصل نجاحاتها، وهي على يقين بأنها الأكفأ في العالم من خلال العمل بدستور دبي غير المكتوب وهو: الانفتاح على العالم، وفتح المجال أمام الجميع، والتنوع الاقتصادي وعدم الاعتماد على مصدر واحد، والعدالة للجميع، وحكم القانون، والمنافسة الصحيحة.

و»طيران الإمارات» وحدها تكفي أن تضع اسم دبي في المركز الأول، ومطار آل مكتوم سوف يكون الأكبر في المنطقة، وما رحل الشيخ راشد بن سعيد إلا بعد أن أخذت دبي مكانها في العالم، وقد وقف مجلس الأمم المتحدة دقيقتي صمت حزناً على موت الشيخ راشد بن سعيد، تقديراً لدوره في التنمية.

وها هو اليوم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، يثبت للعالم أن دبي ولدت كبيرة وستظل كبيرة، وكم من زعيم وكم من دولة يتمنون اليوم أن يقيموا مدينة كدبي عندهم، أو يكون عندهم مثل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، لكن كما قال الشاعر:

أبا الفضل يا من أسس الفضل والإبا

أبى الفضل إلا أن تكون له أبا

نهج

نعم، رحل الشيخ راشد بن سعيد ورحل الشيخ زايد بن سلطان، أيضاً، لكن نهجهما السلمي والإنساني والتنموي باقٍ، ويقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد: «تعلمت من زايد البحث عن مساحات الاتفاق لا الاختلاف، والمستقبل لا الماضي»، ويتمنى سموه أن يعود السلام إلى ربوع سوريا والعراق واليمن.

وفي ختام الكتاب، قدم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد 10 وصايا، تمثل خارطة طريق لكل من أراد أن ينجح في الإدارة الحكومية، وهي: «اخدم الناس، لا تعبد الكرسي، ضع خطتك، راقب نفسك، اصنع فريق عملك، ابتكر أو انسحب، تواصل وتفاءل، لا تكن من غير منافس، اصنع قادة، انطلق لبناء الحياة».

خلاصة

خلاصة القول، إن الكتاب يحتاج إلى قراءة متأنية منكم أيها القراء، وما قدمته من مستخلص ما هو إلا إشارة إلى بعض ما ورد فيه، وأستطيع القول إن الكتاب فيه الكثير من الموجهات والمبشرات والمؤشرات والمنبهات والمحذّرات والمحفزات والمولّدات، التي يحتاج إليها الوالدان والمدرس والمربي وأستاذ الجامعة والطبيب والمهندس والعالم والقاضي ورجل الأمن ورجل الفضاء والمدير والوزير والكاتب والأديب والمفكر والسياسي والفنان، في كل ميدان وحقل ومناسبة.

شكراً سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، على خمسين عاماً من العمل المضني، وأسأل الله أن يبقيك سالماً معافى لمصلحة الوطن والمواطن والمقيم، ومن مثلك يا سيدي، فأنت العملة النادرة والصعبة في هذا الزمن الصعب.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات