عوّدَنا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، أن ينشر في شهر أغسطس من كل عام عبر وسائل الإعلام مقولات على شكل رسائل قصيرة، تُلخِّص لنا الحياة وفلسفة الوجود.

فما زلنا نعيش ونحن في الـ 27 من أغسطس 2018، أجواء تلك المقولات الرائعة التي تُدغدغ مشاعرنا كل صباح وكل مساء بعنوان: علّمتني الحياة، وجملة علّمتني الحياة هذه عندما ترِد على لسان حاكم كصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، أو شاعر كفارس العرب، لها طعم خاص ونكهة مميزة، لأننا نعلم علم اليقين أن حياة سموه ليست كحياة أي حاكم آخر، أو حياة أي فرد منا نحن عامة الشعب، والفرق واضح بين من ينام ويلهو عشرين ساعة، ليعمل بعد ذلك أربع ساعات فقط من يومه، وبين من يعمل وينتج عشرين ساعة، لينام أربع ساعات فقط، وتلك الساعات الأربع أيضاً ليست نوماً بمعنى النوم، وإنما هي استراحة محارب كما يقال، ليقوم وينشط لمواصلة كفاحه من أجل حياة أفضل يوفرها لشعبه.

كما أن تجارب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ليست كتجارب غيره، فهو لا يعرف العبثية أبداً لا في القول ولا في الفعل، حتى أن صمته إذا صمت فإنما ذلك لينطق عن حكمة كما نسمع ونرى كل يوم، وقد أصبحت المنطقة اليوم تستيقظ على دعواته الإصلاحية والتطويرية، وصارت الشعوب تحلم بقيادة ذكية حكيمة فعّالة كقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد. نعم، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد هو القائل في كتاب «رؤيتي»:

«الإصلاح الإداري في دبي كان تجربة، لكنه الآن مدرسة، وتوجد طرق عدّة لإنجاز مهمة ما، ونحن اخترنا تطوير مدرسة إدارة متميزة عالية الأداء بأسلوب حضاري، لأنه من حقّ شعبنا أن يُعامل المعاملة الحضارية التي تليق به وبحضارته العريقة».

أجل... دبي مدرسة للحياة متميزة، ومعلّمها الأول والأمثل هو صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، الذي أخذ على عاتقه مسؤولية النهوض بالفكر التنويري والتطوير المثمر والتغيير الإيجابي، وقد غيّر فعلاً من نمط الحياة عندنا في دولة الإمارات كثيراً.

فسموّه في بادئ الأمر حارب الروتين، وقال عن أهل الروتين بأنهم أعداء التطوير، ولا شيء يقتل الإبداع مثل الروتين، وهو القائل: «حاجاتنا تتغيّر باستمرار في عصر التغيير المستمر».

وقال سموّه أيضاً: «الفرص تُصنع ولا توجد، والقائد الحقيقي ليس هو القائد المحظوظ، وإنما القائد الأكثر حظاً هو القائد الذي يصنع حظّه بيده».

إذاً سموّه كما قال: ليس مستعداً للانتظار إذ لعلّ الحظ يتوقّف عنده، وقد قال الشاعر:

أقَعدتَ مكتوف اليدينْ

                      وتقــــول حارَبني الزمـــن؟

لـــــو كنت تبغــــي خيره

                        لبـــــذلت من دمِك الثمن

ثم إن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، المبدع هو صاحب الباع الأطول في التجارب، يرى أن النجاح ليس نجاحاً دائماً، والفشل ليس فشلاً دائماً، وهو يرى أن الشخص إذا فشل في حالتين من ثماني حالات يعدّ ناجحاً في نظره.

ـ وها نحن اليوم نرى سموه في «تغريدته» الأخيرة يؤكّد لنا أن الصراع بين الخير والشر قائم لا محالة، والناس مهما تحاول أنت معهم التطوير والتغيير إلى الأفضل والأحسن، فإن فيهم من يقاوم التغيير، وكأن نازع الشر أقوى وإن كانت الغلبة في النهاية للخير.

وسموه من خلال تجربته مع الحياة توصّل إلى أن المسؤولين في دوائره أو في الحياة عموماً نوعان: الأول مفاتيح للخير والثاني مغاليق للخير، وهذه المقولة لا شك أنها تتمشى مع الحديث النبوي القائل: «إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويلٌ لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه».

ويرى سموّه أن الدول والحكومات لا تنجح إلا إذا زاد النوع الأول على الثاني، أي زاد من هم مفاتيح للخير مغاليق للشر، فما أجمل بالإنسان أن يفعل الخير، أو يساعد غيره على فعل الخير، أو على الأقل ينوي الخير ويكفَّ الناس شرّه إذا لم يفعل هو الخير.

ثم لا ننسى أن الفرص الكبيرة لا تتكرّر، واغتنام الفرصة في فعل الخير هو رأس مال الإنسان العاقل، والحياة في الأصل شراكة تعاونية على البر والتقوى، وليست خصامية قائمة على الإثم والعدوان، فافعل الخير وارمه البحر كما قيل، لذلك فإن الشاعر قديماً قال:

والناس للناس ما دام الوفاء لهم

                        والعسر واليسر أوقاتٌ وساعاتُ

وأكرمُ الناس ما بين الورى رجلٌ

                            تُقضى على يده للناس حاجاتُ

لا تَقطعنّ يدَ المعروف عن أحدٍ

                            ما دمت تقـــدر والأيـــــام تارات

واذكر فضيلة صنع الله إذ جُعلت

                             إليك لا لك عند الناس حاجات ُ

قد مات قومٌ وما ماتت فضائلهم

                         وعاش قومٌ وهم في الناس أموات

نعم، سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد تحثّنا على فعل الخير وأنت على رأس من يفعل الخير، وتسعى في خدمة الناس، و تسهِّل عليهم طرق حياتهم، ولا تحبّ من يُعقِّد الأمور ويُصعِّب على الناس حياتهم، ويضع عراقيل أمام كل من أراد أن يشقّ طريقه إلى النجاح أو إلى السعادة.

سيدي، رسالتكم واضحة ومعروف إلى من توجهونها، ففهمها من فهمها، ولكن مع ذلك فإن الشاعر يقول:

تكفي اللبيبَ إشارةٌ مرموزة

                      وسواه يُدعى بالنداء العالي

فما أجمل تعبيركم بالمفاتيح والمغاليق، فالمفاتيح رمز الأمل والسعادة والتفاؤل بالحياة، والمغاليق رمز البؤس والشقاء والإخفاق، وفي كلتا الحالتين للإنسان دور سلبي أو إيجابي، وسموّك لا تحب إلا من يلعب الدور الإيجابي، لأنك متفائل بالحياة، محب للخير والعمل، وصديق للإنسانية والوطن، ومتفهم مع سنة التغيير، وأنت القائل:

طبعْ هذا الكون ما يحب السكونْ

                                لا ولا ينظْ لمن خلّى وراهْ

دومْ سيرهْ جِدم من ماضي القرون

                             طاقـة الإيجاب لهْ مصدر حياهْ

بالعملْ نحيا وبالطاقةْ نكون

                                     قـادرين انغيّر اللّي ما نباه

والأمل يبغي عمل به تدركون

                                كل صعب وربّه من حبّه سقاه

طاقة الإيجاب يا اللّي تفكِّرون

                                      كامنهْ فينـا وتبغي الانتبـاه

أعود وأقول: إننا نغبط أنفسنا على أن قيادياً من الطراز الأول مثل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يحكمنا ويخطط مستقبلنا ويهندس حياتنا، ونغبطه هو على كونه خيراً كله، ولا يعرف الحقدُ طريقاً إلى قلبه، وإنني أعلم أن سموه كونه حاكماً عادلاً بصيراً بالعواقب ومحباً لكل الناس، يصل إلى قلب كل واحد منا بأريحيته وكرمه وإحسانه.

ومما يروى أن أحد الخلفاء استدعى أحد الشعراء في مصر، فصادفهم شاعر فقير يحمل جرة فارغة، فتبعهم إلى أن وصلوا إلى دار الخلافة، فبالغ الخليفة في إكرامهم، ولما رأى الخليفة الفقير والجرة على كتفه، ونظر إلى ثيابه الرثة قال له: من أنت وما حاجتك ؟ فأنشأ يقول:

ولما رأيتُ القوم شدوا رحالهم

                            إلى بحرك الطامي أتيتُ بجرّتي

فقال الخليفة: املؤوا له جرته ذهباً وفضة، فحسده بعض الحاضرين وقالوا: هذا فقير مجنون لا يعرف قيمة المال، فلربما أتلفه وضيعه، فقال الخليفة هو ماله يفعل به ما يشاء فلماذا الحسد؟ فمُلئت جرته فخرج إلى الباب بجرته المملوءة ذهباً وفضة، ففرق المال كله على الفقراء الموجودين على الباب، فبلغ ذلك الخليفة، فاستدعاه وسأله عن ذلك الفعل فقال الفقير:

يجود علينا الخيّرون بمالهم

                            ونحن بمال الخّيرين نجودُ

فأعجب الخليفة بالرد أكثر وأمر أن تملأ جرته في هذه المرة عشر مرات، وقال: الحسنة عندنا بعشر أمثالها.

سيدي صاحب السمو: المانعون الخير موجودون في كل زمان، وإننا نعلم كرمكم وشغفكم وشغف قيادتنا الرشيدة بأكملها من أبوظبي حتى الفجيرة بالكرم وفعل الخير، لذلك فإن دولة الإمارات العربية المتحدة بخير ما دمتم أنتم تدبرون سياستها، وما دمتم تحبون الإيثار في كثير من المواقف، فليبارك الله فيكم، وليدم الأمن والأمان علينا في ظل قيادتكم، حصّنتك باسم الله يا وطن.

اقرأ أيضاً:

محمد بن راشد: المسؤولون نوعان.. مفاتيح ومغاليق للخير