لا شك في أن الأم هي أول من يمكنه اكتشاف مواهب وقدرات أولادها، لكونها الأقرب إليهم والأكثر وجوداً في يومياتهم، مما يتيح لها التعرف على تلك المهارات في وقت مبكر. ولعل أنماط التربية في البيت تسهم وبحد كبير في تكوين بعض المواهب والمهارات، وإذا ما وجد بعض من ذلك فعلى الأسرة أن تلاحظ بشكل منتظم تلك المهارات وألا تهملها بتاتاً، بل عليها العمل توفير الإمكانات المناسبة وتهيئة الظروف الملائمة وإحاطة الطفل بكثير من المثيرات ذات العلاقة بمجالات التفكير والنشاط الإبداعي التي تعينه على استثمار واستغلال قدراته الذهنية ومواهبه الإبداعية الكامنة، كما ينبغي على الأسرة ألا تغالي في تقدير قدراته فتمنحه اكثر مما يجب من الرعاية أو تقابل مهاراته بالسخرية.
وعلى الأسرة أن تنظر للطفل الموهوب نظرة شاملة، فلا يتم التركيز على القدرات العقلية أو المواهب الابتكارية والإبداعية المتميزة لديه فقط؛ وإنما يجب عليها أن تأخذ حاجاته الأساسية الأخرى بعين الاعتبار، وبخاصة تلك الحاجات التي يتشابه فيها مع الأطفال العاديين.
دور الأسرة
إن مؤشرات الموهبة لدى الأطفال تظهر في بعضَ الأنماط السلوكية المحيرة، فتارةً يكون الطفل عائداً من المدرسة شاكياً من السأم والملل بسبب رتابة الدروس، أو بطء أو سرعة المنهج، أو سخف أقرانه، وتارة أخرى يكون عازفاً عن أداء الواجبات المدرسية؛ ليركز انتباهه على لعب الشطرنج أو الكمبيوتر لساعات طوال من دون كلل أو ملل، أو يمضي وقته يتابع قراءة قصص أعلى من مستوى عمره بسنوات، وأحياناً يُمطِر والديه بوابل من الأسئلة الصعبة التي تنمُّ عن وجود قدرة غير عادية على التفكير المجرد تفوق عمره بكثير، وقد يسأل أسئلة عديدة عن أسرار الكون، والذات الإلهية، والخير والشر، والحياة والموت، وهو في عمر مبكر، بينما أقرانه في عمره نفسه ما زال كل منهم يفكر كيف يربط حذاءه.
وقد يميل الطفل صاحب الموهبة إلى مصاحبة أطفال أكبر سنًّا منه، بينما لا يلقى قبولاً من أقرانه من العمر نفسه، وهو يتَّسِم بالحساسية الشديدة، وبشدة الوعي بذاته، دائم النقد لنفسه، يجادل بحذق ومهارة، ويتمتع بمهارات فائقة في الإقناع؛ حتى يفوز برأيه، وهو قادر على أن يقنع الطرف الآخر بالوجه النقيض للمسألة نفسها أيضاً، وحين يتحدث يستخدم مفردات صعبة، وكأنه فيلسوف صغير، لكن هذا الفيلسوف الصغير لا يتخلى عن لعبته حين يخلد إلى سريره لينام فتجده متشبثاً بها ليشعر بالأمن والراحة.
كمون الموهبة
وعليه فإنه وراء هذه الأنماط السلوكية الغريبة قد توجد موهبة كامنة لدى الطفل تنتظر الفرصة للظهور والانطلاق، ولكن الآباء يشعرون بالحيرة والقلق حيالَها؛ لعدم وعيهم بطبيعة الموهبة وخصائصها، وعدم معرفتهم بدورهم في الكشف عن طفلهم الموهوب، وجهلهم بأساليب توفير المناخ الملائم لتنمية موهبته ورعايتها، وكذلك عدم معرفتهم بأساليب التعامل الصحيحة معه؛ مما يجعل مسألة تربية الطفل الموهوب ورعايته تحدياً كبيراً للأسرة.
وأكدت العديد من الدراسات أن الأم هي أول من يكتشف طفلها الموهوب؛ بينما الأب ففي الغالب يكون هو المتشكك في إطلاق هذه الصفة على الطفل. غير أن هناك خطوات للكشف عن تلك الموهبة وصاحبها، وأولها ضرورة التعاون مع المدرسة عن طريق عقد اللقاءات مع معلم الطفل، لإعطائه المعلومات الكافية عن الطفل الموهوب؛ لأن المعلِّم لن يكون لديه الوقت الكافي لكشف الموهبة لدى جميع التلاميذ.
كما ينبغي عقد لقاءات مع المُختَص أو المرشد النفسي؛ كي يمدَّه بالمعلومات اللازمة عن سلوك الطفل الموهوب، والتعرف إلى أساليب التعامل الصحيحة معه، ومراعاة الخصائص النفسية والاجتماعية للطفل الموهوب، ورعاية قدراته الخاصة.
وتبقى مسؤولية اكتشاف وصقل هذه المهارات والمواهب لدى الطفل من اختصاص الوالدين، والأمهات بالدرجة الأولى، ومن الأهمية أن تتحلى الأمهات بنسب وعي جيدة إضافة إلى فطرة الأمومة لتعزيز تلك السمات الخلاقة، ودفع أطفالهن الموهوبين إلى ميادين الابتكار والإبداع.
