عن تصنيع الجزيئات التي يبنى منها الشريط الوراثي بالأنواع، يقول الدكتور منصور أبو شريعة العبادي إن مجرد تصنيع هذه الجزيئات يعتبر معجزة من معجزات الحياة، ولكن هذه المعجزة لا تقاس أبدا بالمعجزات الموجودة في الطريقة التي يتم بها بناء الشريط من هذه الجزيئات.

حيث يبدأ الشريط الوراثي عملية تصنيع نسخة جديدة عن نفسه، بعد أن يتأكد من توفر الأعداد اللازمة من الجزيئات المكونة للشريط الجديد، ويقوم إنزيم خاص بالعمل على فتح الشريط الوراثي من أحد جانبيه ليفصل السلسلتين الجانبيتين بما تحملان من أحرف وراثية عن بعضهما البعض، ومن ثم تتولى إنزيمات أخرى بناء سلسلتين جديدتين.

وتثبيت الأحرف الوراثية عليهما بحيث تكون الأحرف الجديدة على كل سلسلة مكملة للأحرف القديمة المرتبطة بإحدى السلسلتين القديمتين، ومن ثم تتحد كل سلسلة من السلسلتين الجديدتين مع سلسلة أخرى من السلسلتين القديمتين مكونتين شريطين وراثيين يحتوي كل منهما على سلسلة قديمة وأخرى جديدة.

إن عملية نسخ المعلومات عن الشريط القديم وتخزينها على شريط جديد تتم بسرعة عالية نسبيا، حيث تتراوح بين ألف حرف في الدقيقة في الإنسان ومليون حرف في الدقيقة في البكتيريا، وهذا على عكس المتوقع، فحجم المعلومات المخزنة على شريط الإنسان يزيد بملايين المرات عن حجم المعلومات على شريط البكتيريا، فكان من المفترض أن تكون سرعة النسخ في الإنسان أعلى منها في البكتيريا.

إن من قام بتحديد سرعة النسخ، هو من أحاط بكل شيء علما وليست الصدفة فهو يعلم سبحانه أن تقليل سرعة النسخ في الإنسان كان بهدف تقليل نسبة الخطأ في المعلومات المنقولة، حيث ان نسبة الخطأ تزيد مع زيادة سرعة النسخ كما هو معروف.

وأما السرعة العالية للنسخ في البكتيريا كفيلة بإتمام عملية نسخ شريطه في دقائق معدودة، ولكن نسخ شريط الإنسان بمعدل ألف حرف في الدقيقة يحتاج لما يقرب من ست سنوات وهذا يعني أن تصنيع الإنسان ابتداء من خلية واحدة يحتاج لما يقرب من ثلاثمائة عام.

ولكن بقدرة الذي خلق كل شيء فقدره تقديراً أصبحت المدة التي يحتاجها الشريط الوراثي لإنتاج نسخة جديدة عنه لا تتجاوز نصف ساعة، وقد تم ذلك من خلال إجراء عملية النسخ بشكل متواز لجميع الكروموسومات المكونة للشريط الوراثي، وكذلك من خلال إجراء عملية نسخ الكروموسوم الواحد في عدد كبير من المواضع.

وبهذه الطريقة الذكية تم تقليص مدة تصنيع إنسان جديد ابتداء من خلية واحدة من ثلاثمائة عام إلى تسعة أشهر فقط، وصدق الله العظيم القائل «أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ». المرسلات 20-23.

tantawi2006@hotmail.com