تظل بعض الأيام والشهور والسنوات مميزة بعطاءاتها، وحاضرة بما تحمله من خير على الناس جميعاً، ويوم أمس كان من الأيام التي حفرت حضورها عميقاً في ذاكرة التاريخ، فهو يحمل رقماً مميزاً لا ينسى، ظل يردده الصغير والكبير على مدى السنوات الماضية.

الجميع كان يترقب ولادة «مترو دبي».. الحدث التاريخي الذي أنجز في وقت قياسي ضمن رؤى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم فأصبح علامة مميزة في تاريخ دبي الحديث ومفخرة للمنطقة بأسرها..

وهو كذلك درس واضح لكل المشككين في إنموذج دبي الذي غرسه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي في قلوب الناس وعقولهم، وجعله قائماً على التواصل والتكاتف والعمل والتميز، فانطلاقة المترو حدث سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وعلامة فارقة في تاريخ الإمارات.

وحتى لا نقف عند فاصلة بعينها نشير إلى أن «مترو دبي» هو ظاهرة جديدة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، ظاهرة تاريخية لأن المنطقة هنا لم تعرفه أو تتعاطاه أو تضعه في الحسبان، فكل خطط التوسع العمراني كانت منصبّة على ما هو تقليدي ومتاح وبوجوده ستتغير الأفكار والخطط ومحاور التخطيط، لأنه سيتيح بامتداده النابض للمخططين مدى أرحب وسيضخ أفكاراً جديدة.

وهو ظاهرة اقتصادية إذ يأتي مصحوباً بمفردات جديدة لم تعهدها شبكة المواصلات التقليدية. فبالإضافة إلى خدمات النقل التي يقدمها للناس تشكِّل محطاته المنتشرة على امتداد شريانه الحيوي مجمّعات تجارية بمقاهيها ومتاجرها وردهاتها، وعلى حواف هذه المحطات تنهض مجتمعات بشرية تحبذ القرب من تلك المحطات النابضة بالحركة والتواصل مع ما هو جديد ومثير.

وهو ظاهرة ثقافية إذ يأتي ومعه سلوكيات وممارسات جديدة على مجتمعنا، فينشر المترو داخل مسربه وخارجه ثقافة الانضباط والانتظار والنظام والقراءة والاستئذان والتواصل البشري مع أنماط مختلفة من الجنسيات، وهذا جانب مشرق من ثقافة التعاطي مع الآخر، وهي ثقافة تؤسس لها دبي بروحها الكوزمبليتانية.

وهو ظاهرة إعلامية وترويجية وإعلانية، فمن خلال محطاته ستظهر إعلانات جدارية ثابتة ومتحركة يستطيع من خلالها رواد المترو معرفة ما هو جديد، وعلى غرار الدول الأوروبية التي عرفت تلك الثقافة مبكراً وربما تظهر صحف المترو بما تحمله من أخبار وقصص إنسانية مثيرة.

هكذا يصبح المترو الذي كان حلماً وانطلق حقيقة ملموسة حدثاً تاريخياً مميزاً سيغير الكثير من الأنماط في السلوك والثقافة العامة، وهو مفخرة الإمارات لكونه ليس مجرد إضافة مدهشة وغير مسبوقة للبنى التحتية العصرية في دبي أو مجرد وسيلة مواصلات متطورة فقط بل شريان نابض وكائن حي يشق طريقه عبر دبي، يحاكي ناسها وبناياتها الشاهقة والبيوت المتناثرة والمصانع والسيارات والأفكار والعقول ويبعث حراكاً لم تعهده العيون من قبل.