تبدو بعض الكتب منذ الوهلة الأولى لقراءة عناوينها غريبة عنّا، لكنها في الوقت نفسه قريبة منّا، والتناقض الذي يرد هنا ليس في شكل الكتاب ومحتواه، بل في البيئة التي أدت إلى ظهوره ومصافحته لعين القارئ.

ومن الكتب التي لم يعرفها القارئ العربي لأنها لم تنشأ في بيئته بسبب العواطف المسيطرة على عوالم العمل والبيت والعلاقات الاجتماعية هي الكتب المتعلقة بالشخصية المنحرفة وخاصة في بيئة العمل، تلك البيئة التي يجتهد فيها البعض بشكل جنوني ومثير، ويحارب فيها البعض الآخر بشكل دام ومميت، ليس باستخدام السيف أو البندقية بل بلغة الكلام المهلكة العنيفة التي تؤدي أحياناً إلى مصحات العلاج النفسي.

في العام 1998 أثار كتاب جديد في عنوانه ومضمونه ضجة كبيرة في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وبيعت منه ملايين النسخ في أشهر معدودة.. كان الكتاب الذي ترجم إلى ما يقارب عشرين لغة عالمية يسمى «تنكيد المعنويات» لطبيبة فرنسية تدعى ماري فرانس هيريغوين اختصت بالعلاج النفسي، ودرست تخصصاً جديداً يدعى علاج الضحايا في الولايات المتحدة الأميركية.

وبما أن أبواب العالم أصبحت مفتوحة على مصاريعها أصبح لزاماً علينا أن نعرف، ولو من باب الفضول، تلك الانقلابات المثيرة التي تحدث على صعيد العمل والفكر الإداري.

ربما يكون الاهتمام بظاهرة كسر المعنويات وتحطيمها في عالم العمل غريباً على الإنسان العربي لأنه يعيشها دون أن يجد بارقة أمل للتغيير، إلا أن المجتمعات الغربية التي يجد فيها الإنسان قوانين وتشريعات تصون حقوقه وتحترمه لم يعد يحتمل نظرة تعال أو استهزاء توجه له في العمل، فهو سيد نفسه وعمله ما دام يتقن صنعته وحرفته ويعطيها العطاء الذي تنص عليه القوانين.

من هنا نبتت حركات الدفاع عن حقوق الفرد والنقابات والروابط المختلفة، وطالبت بإضافة مواد خاصة إلى مواد قوانين العمل، اعتبرت من خلالها عملية التنكيد سواء أكانت على صعيد التعامل الكلامي أم الضمني جنحة صريحة يجب على القانون معاقبة مرتكبها أسوة بالتمييز العنصري أو التحرش.

في عالمنا العربي لم تصل قوانين العمل إلى إدراك السلوك المتسلط الذي يحرك كثيراً من لابسي عباءة المسؤولية. وفي كتابها تنكيد المعنويات تقول ماري فرانس إن الانحراف النرجسي يفتن ويغري ويثير الخوف أيضاً، فغالباً ما يُحسد المنحرفون لأننا نتخيلهم يتمتعون بقوة خارقة تؤدي بهم إلى النصر دائماً.

وفي الواقع فإنهم يؤثرون على غيرهم ويتلاعبون بهم بشكل طبيعي وتلقائي، وهو ما يشكل دعماً كبيراً لهم في عالم المال والسياسة.

ونحن نخاف منهم كوننا نحدس أنه من الخير لنا أن نكون في صفوفهم من أن نقف ضدهم.. انه عالم يعطي السيادة للأقوى، وهكذا نسكت أحياناً كثيرة أو نغمض أعيننا عن أوضاع تحمل الخطر بحجة احترام حرية الآخرين، والواقع أن تيارات التساهل والتسامح السائدة حالياً تلزم الناس على عدم التدخل في أفعال وآراء الآخرين، في الوقت الذي تبدو لنا فيه هذه الأفعال والآراء منافية للأخلاق ولا تبعث على الإعجاب.

وكذا حال تسامحنا الفطري تجاه الأكاذيب التي يطلقها الساسة دائماً!

المشكلة أن عصرنا الراهن يرفض رسم حدود ووضع مواصفات طبيعية لكي تقاس عليها الأمور، فهؤلاء المنحرفون يرتكبون أفعالاً جنائية وجنحاً يحاكمهم عليها القانون لكن غالبيتهم يستطيعون عبر استخدام سحر إغوائهم وقدرتهم على التكيف إيجاد طريق لهم ومكان في المجتمع تاركين وراءهم أشخاصاً مجروحي المعنويات.

يبدو أننا في زمن الإرهاب المعنوي الذي تبدلت فيه القيم والأخلاق فأصبح الخطأ فيه صواباً والصواب خطأً لا يغتفر!