نجحت السياسة الحكومية منذ قيام الاتحاد في بناء اقتصاد قوي متين يعتمد على تعدد وتنوع مصادر الدخل والاستثمار الموجه أساساً للداخل ضمن عملية بناء وتطوير لم تتوقف رغم العواصف السياسية والعسكرية التي مرت بها المنطقة، وأخيراً العاصفة المالية التي تضرب العالم.
لكن مثلما تعاملت الإمارات بالحكمة السياسية لحماية مكتسبات الوطن في التعامل مع أزمات المنطقة بعيداً عن المغامرات والمواقف الحادة، ها هي مرة أخرى تستدعي حكمتها وتلجأ للمهارة المالية والذكاء الفطري في التصدي لتأثيرات الأزمة المالية العالمية قبل أن تتسلل إلى النظام المالي المحلي.
واستبقت الحكومة تداعيات الأزمة بإعلان خطة وقاية تجابه الأزمة لتجدد الثقة بالاقتصاد الوطني وتبقي على مزاياه الجاذبة للاستثمار.
ولم يكن لتلك الإجراءات وهي الأولى في دولة خليجية على خلفية الأزمة المالية العالمية أن تصدر لو لم يكن صانع القرار مطلعاً تماماً على الوضع المالي للبلاد بكل تفاصيله، مطمئناً لسلامته ومتانته وقدرته على امتصاص ومقاومة أي أثر للأزمة العالمية.
ويلمس المتابع لكلمات صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان تطميناً لا حدود له بتأكيده متانة الاقتصاد الوطني وكفاءة جهاز الدولة المصرفي، كما يلمس من كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم إصراراً على استمرار دوران عجلة التنمية بتأكيده الجدية في حماية النظام المالي والقطاع المصرفي؛ حفاظاً على المصالح العليا للدولة والشعب؛ مانحين بذلك النظام المصرفي وعملية التنمية ملاءة كبرى مالية وقانونية.
مؤكدين بذلك تقديرات وإجماع هيئات مالية عالمية على أن الاقتصادات الخليجية وخصوصاً الإمارات قادرة على عبور الأزمة دون أن تتأثر بها؛ بفضل ضخامة وتنوع حجم استثمارات الإمارات الداخلية مقارنة بالخارجية وفائض السيولة المالية التي تأتي من عائد تنوع تلك الاستثمارات ومداخيل النفط، إضافة إلى التشريعات وآليات الحماية والسياسات المحفزة للاستثمار التي تحصن الاقتصاد الوطني من الهزات المالية الخارجية، وتمنحه المرونة والقدرة على التكيف مع الظروف الاقتصادية العالمية.
لذلك فإن الضمانات التي أعلنتها الإمارات أمس كانت رسالة حكومية من أعلى مستوى، شديدة الوضوح، بثت الاطمئنان في الأسواق، وقطعت ألسنة الإشاعات، وأكدت أن الاقتصاد والنظام المصرفي من القوة والكفاءة بحيث يستطيعان مجابهة تلك العاصفة المالية؛ حيث تقدم تلك الإجراءات ثقة جديدة بجاذبية اقتصاد الإمارات وانطباعاً إيجابياً بمتانة النظام المالي وتمتعه بملاءة مالية كبرى بضمان حكومي.
والرسالة الأكثر وضوحاً التي بعثتها الحكومة للأسواق هي أن عملية التنمية ماضية بلا توقف؛ لأن الخطوط الدفاعية عن اقتصاد البلاد عالية ومنيعة لا تهزها العواصف، وبهذا الضمان فإن الحكومة تقول للأسواق: إن العمل مستمر ليس فقط في مشاريع التنمية القائمة، بل إن هناك المزيد من المشاريع، وإنها ـ أي الحكومة ـ تمنح البنوك كل الضمانات التي تؤهلها للمشاركة في تمويل القطاعات الاقتصادية كافة.
إن قراءة سريعة في قرار مجلس الوزراء تدل بوضوح على أن الضمانات تؤكد القدرة على معالجة أي طارئ، دون أن تحدد الضمانات سقفاً أعلى أو أدنى مادياً أو زمنياً، فالودائع مضمونة مهما بلغت ولفترة غير محددة، بعكس ضمان الودائع الذي أعلنته دول كبرى بضمانات محددة القيمة والأجل.
وإذا كانت الضمانات رسالة للداخل وأنها حائط صد للأزمة العالمية، فهي أيضاً رسالة للخارج بأن تلك الإجراءات هي أيضاً بوابة عبور، فهي تفتح الطريق أمام تدفق رؤوس الأموال والاستثمارات الهاربة من لهيب الأزمة في الخارج والباحثة عن ملاذ آمن وفرته الإمارات؛ ما سيزيد السيولة في النظام المصرفي المحلي؛ وبالتالي زيادة القدرة على تمويل مشاريع التنمية العملاقة. فضلاً عن أنها تبقي الودائع الوطنية التي تصل نسبتها في المصارف المحلية إلى 83% مقيمة في عملية التنمية.
وتشير الإحصاءات الرسمية وتقارير هيئات اقتصادية دولية إلى أن اقتصاد الإمارات اليوم يعد واحداً من أسرع اقتصادات العالم نمواً؛ إذ بلغت نسبة النمو في العام الماضي 4, 7% مقارنة بعام 2006. كما نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 16.5% إلى حوالي 698 مليار درهم، ما أدى إلى الاهتمام العالمي بالاستثمار في الإمارات وتدفق رؤوس الأموال إليها بحثاً عن استثمار آمن بعيداً عن الهزات المالية التي يعاني منها الاقتصاد العالمي اليوم.
وتؤكد الأرقام نجاح سياسة الحكومة في تأسيس اقتصاد متنوع وقوي؛ حيث وصلت مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي العام الماضي إلى 65 في المئة؛ لتصل إلى 455 مليار درهم.
وفرضت هذه الأرقام المتنامية توجهاً عملياً على المؤسسات المصرفية مواكبة التنمية بمزيد من السيولة؛ استجابة للاتجاه الصعودي لاقتصاد البلاد الذي أثبت قدرته على مقاومة الظروف الاقتصادية الخارجية، بل وقدرته على الاستفادة من الأزمات العالمية، ما يعزز جاذبيته للاستثمار في كل الظروف، حيث ارتفع حجم الاستثمارات الثابتة المنفذة في العام 2007 بنسبة 4, 19% إلى 5, 144 مليار درهم على المنفذ في العام 2006 والبالغ 121 مليار درهم، فيما بلغت الاستثمارات إلى الناتج المحلي العام الماضي 7, 20%.
إن الإجراءات الحكومية رغم الأزمة المالية العالمية تجعل اقتصاد الإمارات يتأهب لصعود مستوى جديد من عملية التنمية الكبرى، التي تتطلب مزيداً من العمل والجهد والمال للوصول إلى مراحل أكثر تقدماً وقوة، تواكب الخطط الاستراتيجية التي وضعتها الحكومة لجعل اقتصاد الإمارات أكثر نمواً وتنافسية، بعد أن شهد العام الماضي ازدهاراً كبيراً جعل الإمارات في المراتب الأولى في مؤشرات النمو.
اذن تشكل تلك الضمانات القوة الدافعة للتنمية ومتطلباتها؛ انسجاماً مع استراتيجية الحكومة بتوجيه الجزء الأكبر من وفرة السيولة نحو الاستثمار الداخلي؛ لتحقيق تطلعات شعبنا، وترسيخ تنافسية عالمية لاقتصاد الإمارات من خلال نمو متوازن مستقر.
كما أثبتت أن حالة التشكيك بالمصارف والشركات الوطنية لا تصمد أمام قوة الرافعة الاقتصادية للإمارات، ونشرت الاطمئنان والاستقرار بدلاً من القلق والذعر، لأنه لا مكان لذلك في بلد كل شيء فيه آمن وينتقل من أفضل إلى أفضل تحت الملاءة الكبرى.
