يقول الدكتور محمد زرمان الأستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجزائر إننا إذا تأملنا في السنة النبوية، وحللنا نصوصها المختلفة نكتشف أن الحوار يمثل فيها معلما بارزا له أهميته الكبرى في مسيرة الدعوة الطويلة، وأنه كان أسلوبا حضاريا مقصودا لذاته، انتهجه النبي صلى الله عليه وسلم عن توجيه رباني ووعي عميق بجدواه وفعاليته طوال العهدين المكي والمدني سواء بسواء، وأنه كان يكتسي أبعادا حضارية مهمة.

وقد كان عليه الصلاة والسلام حريصا على أن تكون حواراته جميعا موجهة نحو أهدافها لا تخرج عنها قيد أنملة، لأنه كان صاحب رسالة عظيمة يتوقف على نجاحها مستقبل البشرية كلها، وكان الحوار وسيلة من أهم الوسائل وأعظمها أثرا في تبليغ هذه الرسالة، لذلك كانت حواراته مضبوطة بالشكل الذي تخدم به الفكرة الأساسية التي يعالجها مع محاوره، فلا يشتط به الحديث هنا أو هناك، ولا يسمح لمسار الحوار أن ينحرف ليتحول إلى لجاج أو مماحكة أو مماراة، لأن الحوار إنما فُتِحَ للبحث عن الحقيقة، ونشدان الحق، وتوضيح معالمه، وإقامة الدليل عليه، وتبليغه لمن لا يعرفه ليجد طريقه إلى النفوس التي تبحث عنه.

والمتصفح لحواراته الكثيرة التي أدارها بكل كفاءة ومهارة يتبين له أن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام لم يكن يسعى في أي منها إلى تسجيل موقف الغلبة على محاوره بإفحامه أو إلزامه الحجة، بل كان هدفه دائما أن يجعل الطرف الآخر يتحرك معه في الخط الذي يسير عليه، ويقوده شيئا فشيئا نحوالهدف الثابت بإشراكه في الموضوع وإدماجه فيه من خلال الإقناع العقلي، أو الحديث العاطفي الوجداني إلى أن يتحد الموقفان، ويفضي الحوار إلى موقف مشترك يحس معه الطرف الآخر أنه قد شارك فعلا في الوصول إلى النتيجة.

وقد عبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الحوار السلبي بمصطلح «المراء» الذي يحيل إلى الحوار الفاشل الذي لا طائل من ورائه . ونهى عنه نهيا شديدا، وحذر من مغبة الوقوع فيه، وبشر المسلمين الذين يتجنبون هذا النوع من الحوار تعففا وورعا بعظيم الجزاء، ودعاهم إلى الابتعاد عن مجالس المراء ولو كانوا على الحق، لأن الطرف الثاني لا يريده ولا يبحث عنه .

فالحوار مسؤولية، وهو مناط بما يترتب عنه من خير وإصلاح، وإلا فإن الحكمة تتطلب الصمت الذي يقطع السيل الهادر من الثرثرة الفارغة والجدل بالباطل: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَو لِيَصْمُتْ).

من أجل ذلك شدد النبي عليه الصلاة والسلام في النهي عن هذا النوع من الحوار، وحذر من الانسياق وراء أسبابه ومجاراة أصحابه، صيانة للطاقات المسلمة من أن تذهب هباء فيما لا يفيد الفرد والمجتمع، وتوجيها لها لاستثمارها فيما ينفع ويفيد، ولنا في حواراته الكثيرة التي تزخر بها سنته المطهرة نموذجا ومثالا للحوار الجاد الهادف الذي كان ديدنه إلى أن بلغ رسالة ربه، ووطد دعائمها، وأرسى أركانها فكانت خيرا على البشرية في كل الأزمان والأصقاع .

Tantawi2007@gmail.com