يرى الدكتور ميمون باريش من جامعة القاضي عياض بمراكش في بحث له أن السنّة النبوية الشريفة كان لها سبق واقعي مبكر في معالجة موضوعات البيئة، حيث دعت إلى المحافظة على النفس والعقل والمال، ونهت في المقابل عن كل ما من شأنه أن يسيئ إلى إحدى هذه الضروريات، أو إلى العناصر التي بها حفظ الحياة، بما في الكون من شمس وقمر ونجوم ومياه وهواء ومجالات خضراء وحيوانات وغيرها، وذلك ليحفظ للكون توازنه.
ويشير إلى أن السنة النبوية الشريفة تضمنت قِيما حضارية عظيمة تقوم على الدعوة إلى الخير والتحذير من الشر، وعلى وصل العقل بمبدأ الإيمان، ومن ثمة فإن المكلف لا يملك إلاّ أن يتطلع إليها بكلياته، ويجتهد في الإتيان على مقتضاها بجميع أفعاله؛ وهذه القيم وإن امتازت بالتعدد والتنوع، فإنها محكومة بروابط التجانس والتداخل والاتحاد.
وقد تضمنتها توجيهات تربوية سديدة للحفاظ على عذرية الطبيعة وحماية عناصرها الأساسية والضرورية للحياة، بما في ذلك مجاري الماء، والطرقات، ومجالس الناس، وتقاس على هذه العناصر الثلاثة كل المواطن التي تشترك معها في الوظيفة كالأسواق، والشواطئ والمنتزهات.
أولا: قيّم المصلحة العامة: وتتجلى هذه القيم في الإرشاد النبوي الشريف إلى ضمان صحة الماء، من حيث هو مادة ضرورية لجميع المخلوقات الحيّة، وذلك بعدم استقذاره وتنجيسه وتلويث تربته من خلال تصريف مياه المجاري الصحية المستعملة في المياه النافعة، وإلقاء الأشلاء والفضلات والقاذورات فيها...
ثانيا: قيم الجمالية: ويتضمنها الحثّ النبوي الشريف على ضرورة الاعتناء بالمجال الأخضر من حيث هو جزء مهم من الطبيعة الحيّة التي تضمن استمرار حياة سالمة للإنسان والحيوان؛ ولاسيما إذا تحققت منافعه المختلفة كالمنفعة الغذائية، والصحية، والرعوية، والجمالية، والمناخية، والهوائية، وغيرها من الأدوار التي يتحقق معها مستوى عال من البيئة الصحية في المناطق العمرانية بخاصة.
فلذلك حثت السنة الشريفة ـ ترغيبا وترهيبا ـ على ضرورة إعداد المحيط وتنميته وتأهيله لأداء أدواره البيئية المختلفة في العاجل والآجل، وذلك بالعمل على عمارة الأرض بالزراعة والتشجير وتهيئتها للإنتاج، وإعدادها للانتفاع بها.
ثالثا: قيم الخير والأمانة: وتتمثل في التحذير النبوي الشديد من إيذاء الناس في مجالسهم وطرقهم وأماكن راحتهم بإلقاء القاذورات والنفايات فيها، وتقابلها دعوته عليه الصلاة والسلام إلى إماطة الأذى عنها؛ ليس هذا فحسب، بل إن السنة الشريفة دعت إلى تطييب الأماكن العمومية وذلك حماية للبيئة الهوائية من التلوث.
رابعا: قيم العدل والسعادة: وتتجلى هذه القيم في الدعوة النبوية الشريفة إلى الحفاظ على التوازن الصوتي وذلك بالحرص على سلامته من التلوث، ومن مظاهر تلوثه خروجه عن المألوف، وتمرده على المعهود؛ ولأن هذا النوع من التلوث له علاقة تلازم وطيدة بالسمع والأصوات والكلام والعلاقات الاجتماعية.
خامسا: قيم الرحمة والرأفة: بمعنى الرحمة بجميع المخلوقات، والرأفة بها بما في ذلكم الثروة الحيوانية التي تشكل عنصرا حيويا من الطبيعة الحية.
