بالأمس عرض لي موقف لم يثر غضبي؛ بل أثار عجبي وعلى الفور حضرت إلى ذهني قصة لأحد كتابنا بعنوان (السائق سامر في يومه العاشر) وتحكي القصة عن زميلين جمعتهما ذات المهنة في مكان عمل واحد. ولأن أحدهما سامر لم يحظ بتخصيص نسخة من صحف الصباح؛ فكان يستعير صحيفة زميله لقراءتها وإعادتها.
ثم تطور الأمر من الاستعارة والإرجاع إلى طلب سامر أخذ الصحيفة إلى البيت؛ مع الوقت كف سامر عن سؤال صاحبه، إذ يأخذ الصحيفة يقرأها في المكتب ثم يتأبطها ويذهب بها إلى البيت في الرواح تحت أنظار صاحبها؛ الذي يلجمه الحرج في كل مرة عن طلب الصحيفة، ولعله كان يقول في نفسه - على مضض- مجرد صحيفة ليس إلا!
ما دفع بهذه الحكاية إلى بالي هو ذلك الموقف الذي أشرت له. إذ خصص لسكان البناية موقف لسيارة واحدة، ووضع رقم الشقة على المكان المخصص للسيارة، وكنا ممن حظوا بهذه النعمة في ظل تقلص المساحات الخالية من العمران.
لكن ولعدة مرات أجد أحدهم قد استغل المكان المخصص لنا بوضع سيارته فأتغاضى عن الأمر مشفقة على الجار من النزول وتحريك سيارته، باحثة عن مكان آخر وغالبا أفشل في العثور إلا على مسافة بعيدة عن المبنى.
بالأمس ابتسم لي الحظ أخيرا حين وجدت المكان متاحا لركن سيارتي وكأن ذلك الأحد قد أحس على دمه أخيرا؛ ولكن حين هممت بالخروج في صباح اليوم التالي وإذ بورقة بحجم صفحة الكراس المدرسي ترصع زجاج السيارة الأمامي؛ تحمل نبرة مهددة وتطالبني بلهجة حادة وآمرة بعدم وضع السيارة في هذا المكان مرة أخرى أبدا!
إذن.. هكذا الأمر؛ يبدأ بالإعارة وينتهي بالمصادرة. لذلك وجدتني أتذكر قصة (السائق سامر في يومه العاشر) لما لها من دلالات عميقة تقول للمرء انتبه، وكن حذرا.. لا تتساهل ولا تتنازل ولو لمرة. لأن التساهل مع الموقف مرة يجلب التمادي فيه، وبذلك يفقد المرء مكتسباته وحقوقه.. هذا يحدث في كل مكان؛ بدءا من مصادرة سامر لجريدة صاحبه وصولا إلى استغلال الجغرافيا ومصادرة الأوطان.