المشهد الأول هو الدفء والاحترام الشديد الذي قوبل به صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم من جانب قادة الصين الذين لم يستطيعوا إخفاء الإعجاب بقيادة سموه وبتجربة الإمارات الساطعة في التنمية والتقدم.
المشهد الثاني هو التقدير الشديد الذي تحدث به صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عن التجربة الصينية، ليس فقط في تجلياتها الاقتصادية الراهنة من حيث نسب النمو المرتفعة، ولكن أيضاً عبر تقدير الحضارة الصينية الموغلة في القدم، والتي تقوم في أحد جوانبها على التقدير الكبير لقيمة العمل.
لكن المشهد الأكثر حميمية وإنسانية كان لقاء سموه مع نخبة من الطلبة الدارسين في جامعة سينغ هاو العريقة في العاصمة بكين والتي يتخرج منها العديد من القيادات الشابة.. سموه بادر الطلاب قبيل اللقاء بالقول: «ونحن أيضاً نعلم القيادات الشابة ليصبحوا قادة».
أسئلة الطلاب والطالبات نمت عن فهم عميق للإمارات ولتجربتها ولصاحب السمو الشيخ محمد ودوره البارز في نهضة الإمارات عموماً ودبي خصوصاً. في هذا اللقاء الدافئ يمكن تلمس جانب شديد الأهمية في شخصية سموه وهو اعتزازه الشديد بهويته العربية وتعظيمه للروابط العائلية.
كان يمكن لسموه أن يكتفي بالحديث مع الطلبة في الأمور العامة، لكنه حرص على إبراز دور الأسرة في كل ما وصل إليه، مضيفاً بفخر انه عاش وتربى في كنف جده ووالده وتعلم منهما الكثير، منوهاً بالفائدة الكبيرة التي تلقاها من حضور المجالس، خصوصاً في تعلم أصول الحياة وكيفية التعامل مع الآخرين، وهو ما يؤهل المرء ليصبح قائداً، يهتم بكل مصالح شعبه خصوصاً في التعليم والصحة والمسكن.. لكن كل هذه المشاغل لا تمنعه في الوقت نفسه من ممارسة هواياته خصوصاً الرياضية والتواصل مع أسرته وتربية أنجاله.
أحد الطلاب سأل سموه كيف يخاطر بإسناد مسؤوليات قيادية جسام إلى شباب؟ فجاء رده الفوري: «إن الاستثمار الأول للإمارات هو في الإنسان». واستعار سموه مثلاً أوروبياً يقول: «إن الأفضل للأسود أن تقود خرافاً وليس العكس». مضيفاً ان المثل قد لا يكون جيداً؟ لكنه هو شخصياً يؤمن بأن القائد لابد أن يعلّم من يعمل معه أصول العمل والقيادة وأن يكون أسداً مثله وبالتالي يصبح المثل الأصح، «أن الأسد لابد أن يقود أسوداً».
والحديث عن الأسود يستدعي الكلام عن التحديات التي قال سموه إن الحياة من دون تحديات تبدو مملة للغاية، فلكي تكون قائداً لابد أن تسير وتتحرك كي تتعلم، منوهاً بأن فترة شبابه لم تكن سهلة، لكنها كانت ممتعة أيضاً بفضل التحديات التي واجهها ولايزال، مكرراً قوله ان قاموسه لا يعرف كلمة المستحيل.
طالب آخر سأل سموه عن المساعدات التي تقدمها الإمارات للشعوب الفقيرة فرد سموه مشيراً إلى حملة «دبي العطاء» التي تستهدف تعليم مليون طفل فقير، وإلى مؤسسة سموه للمعرفة التي تستهدف الشباب ليس العرب والمسلمين فقط، بل في كل العالم.. وان الإمارات تقدم أكبر مساعدات على مستوى المنطقة.. لكن الرسالة الأكثر أهمية التي أوضحها سموه وهو يرد على هذا السؤال هي أنه لكي تساعد فقيراً عليك ألا تكتفي بإمداده بالطعام، لأنه سيجوع مرة أخرى.. ولكن إذا قدمت له التعليم، فوقتها سوف يستطيع الاعتماد على نفسه.
وكعادته في مثل هذه اللقاءات.. كانت أفكار سموه واضحة.. سلسة.. بسيطة.. كما كانت سرعة بديهته حاضرة، فعندما سأله طالب صيني لماذا لا ترسل الإمارات طلابها ليتعلموا في الصين.. رد عليه فوراً: «ممكن أن يحدث هذا.. وأن يأتي طلاب من عندكم كي يتعلموا في الإمارات».
انتهى لقاء سموه بالطلاب والطالبات بابتسامات عريضة، وتمنيات من سموه بنجاح دورة الألعاب الأولمبية في بكين.. لكن الذي ظل هو هذا الجسر الإنساني الذي أقامه صاحب السمو خلال زيارته إلى هذا البلد الكبير.
كنا نسمع كثيراً عن أهمية الحوار مع الآخر وأهمية الحوار بين الحضارات والأفكار.. والمؤكد أن زيارة سموه الأخيرة للصين كانت لبنة رئيسية في تنمية علاقة متينة بين حضارتين عريقتين.. العربية والصينية.
