تمثل الزيارة التي يقوم بها حالياً صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله» للصين، للصحافيين الذين يرافقون سموه محطة مهمة في استشراف آفاق التواصل مع هذا المارد الآسيوي المهم.

فقد ألقت الزيارة أبعاداً جديدة ومعرفة متبادلة للجميع مسؤولين وإعلاميين، «فمن رأى ليس كمن سمع»، كما يقول المثل العربي، فالصين الجديدة ليست الصين التي تتحدث عنها الأدبيات، بل التي ترسمها المؤشرات الاقتصادية.

لقد ارتفع التبادل التجاري بين الإمارات والصين خلال عام 2007 إلى أكثر من 20 مليار دولار بنمو نسبته 41% الأمر الذي يعكس التطور المتنامي في العلاقات الاقتصادية بين الإمارات والصين.

وهذا ما يعكس رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد إذ يرى «أن العالم دون الحضور الصيني الفاعل ناقص جداً، فالحضور الصيني يثري عالمنا، ويغذي تنوعه ويوسع اقتصاده وأسواقه، وينشر الأمن والاستقرار في ربوعه» وهذا هو ما تراه العين ويدركه العقل، وتستشرفه الرؤى من خلال الزيارة الميدانية للعملاق الصيني.

فالصين اليوم لا تقف عند حدود الأرقام المزدوجة، وفواصل العولمة المتمردة على الكفاح «البروليتاري»، ولا التطلعات المستقبلية التي تفوق أبعاد الخيال، ولا الهيمنة في زمن التكتلات السياسية والاقتصادية، بل تذهب الصين إلى أبعد من ذلك، فالصينيون منغمسون بكل ما يملكون من تجارب وإبداع وتواصل مع مبادئهم لاستنهاض دولة عصرية قادرة على مقارعة النماذج المستحدثة في العالم، دون المساس بهويتها الوطنية.

الجميع هنا في بكين وشنغهاي يتسابقون باتجاه عقارب الساعة وعكسها، بدقائقها وثوانيها وكسورها دون كلل بحثاً عن القدرات الكامنة في دواخلهم، يستنسخون وجوه المدن الغائبة والحاضرة والمستقبلية، ولكن بنكهة صينية وأسلوب مميز تجري في هياكله حكمة كونفوشيوس وروح ماو تسي تونغ.

ربما تبدّلت الوجوه، وتغيرت الأشكال الخارجية في ظل انتفاضة العولمة المسيطرة على مفاصل الحياة هنا وهناك، إلا أن شيئاً واحداً لم يتغير في دماء الصينيين، فهم ما زالوا رغم الأغاني الأجنبية الصادحة في أرجاء المكان، والماركات العالمية المتناثرة التي تتلبس لافتات «النيون» البرّاقة وسيطرة الهامبورغر والكوكاكولا، ما زالوا ينبضون بالتعاليم الصينية القديمة والتقاليد العريقة التي لا تستطيع رياح التغيير الخارجية اقتلاعها أبداً.

هذا الأنموذج النابض القادر على مقارعة التجارب العالمية يعمل بإصرار على رسم وجهه على خارطة العالم دون ضجيج وبصمتٍ مطبق.. الأشياء الكبيرة والمتعملقة هنا تشي بنتيجة واحدةٍ، العمل من أجل العمل، ومن أجل صينٍ جديدة.. صين كبيرة، صين ناهضة من رماد الأسرار الكبرى التي لا يعرفها إلا خزنتها!

وكل ذلك لا يتم بالنوايا، بل بتوجيه النوايا نحو العمل المضني، الكبير، القادر على قلب الموازين والجرأة في استنهاض الهمم، تارة بالتعاليم المقدسة، وتارة بالحجج والبراهين، وثالثة بالحكمة، وأخرى بمجابهة غزو العولمة الذي لن توقفه النوايا الطيبة، ولن تقف في وجهه أبداً.

الصينيون يدركون أن التغيير يجب أن يبدأ من الداخل، لذا كان الداخل الصيني جبهة عمل أولى بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، جبهة في رسم أبعاد أخرى للتغيير، تبدأ من ثقافة التعلم والتقاط الأسرار الخفية للتكنولوجيا، إلى ثقافة التصنيع مروراً بثقافة جعل الأشياء المستحيلة ممكنة الحدوث، وكل ذلك في معادلة مذهلة بين التسلل نحو الزمن لاكتشاف الأشياء أو استنساخها بعيداً عن الملكية الفردية أو الحقوق المعلنة لأسماء يريدها الآخرون أن تدمغ دون استثناء بختم العولمة، ويريدها الصينيون أن تتفتح من ماء الوجود، فالحكمة الصينية القديمة تقول: «دع مئة زهرة تتفتح»..

والحقيقة أن الزمن هنا يتحدث اللغة الصينية، ويحاكي الحكمة الصينية، ويلهث اللهاث الصيني نحو مقاربة الأشياء، وبناء صين جديدة تسمى الصين الناهضة، الصين القادرة على بناء القدرات واستنهاض الهمم، فبالعمل وحده يحيا الإنسان الصيني.