تكريساً لنهجه المتميز منذ سنوات يبدأ اليوم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي زيارة في غاية الأهمية إلى الصين. النهج متميز لأن سموه دأب خلال الفترة الماضية على زيارة نخبة مختارة من البلدان التي فرضت نفسها على خريطة العالم وصارت تمثل معالم بارزة خصوصاً على صعيد التنمية الاقتصادية مثل الهند وكوريا وفيتنام وقبل كل ذلك وبعده ألمانيا، والآن جاء دور الصين.

النهج متميز أيضا لأنه يعكس أحد جوانب فلسفة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد المتمثلة في ضرورة الاحتكاك بالعالم والتحاور معه وبالتالي إفادته والاستفادة منه. ولأن الصين لا تحتاج إلى تعريف أو إشادة، فالمؤكد أن جدول أعمال محادثات سموه مع المسؤولين في بكين سيكون حافلاً والسبب أن علاقات البلدين صارت متشابكة في مناحٍ شتى من النفط إلى السياحة ومن تجارة المنسوجات إلى لعب الأطفال ومن «الفلاش ميموري» إلى «الدي في دي».

ويكفي فقط للتدليل على تنامي هذه العلاقات أن ميزان التبادل التجاري بين البلدين قد قفز في عام 2007 إلى أكثر من 20 مليار دولار بنسبة نمو زادت على 41% مقارنة بعام 2006... وبالطبع فهذا الميزان يميل بقوة لصالح الصين التي تصدر للإمارات بما قيمته حوالي 17 مليار دولار مقابل صادرات إماراتية تبلغ 3 مليارات دولار فقط.

وبلغة الأرقام أيضاً فالإمارات ليست الشريك التجاري الأول للصين في المنطقة، لكنها السوق الأكبر للمنتجات الصينية في كل منطقة الخليج، وأفضل شريك للصين في المنطقة كما يقول المسؤولون الصينيون أنفسهم. والمؤكد أن زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد لن تنشغل بتفاصيل صغيرة فيما يخص هذه العلاقات، لان هدفها الرئيسي هو بناء علاقة شراكة استراتيجية حقيقية بين البلدين.

بناء هذه العلاقة ليس مجرد عبارة بلاغية يمكن ترديدها في محفل دبلوماسي أو مؤتمر صحافي، لكن الواقع يؤكد أن البلدين يملكان بالفعل كل المؤهلات والمقومات التي تجعل بناء هذه العلاقة أمراً ممكناً. صحيح أن هناك فروقاً ضخمة بين البلدين سواء من حيث السكان أو المساحة أو الناتج المحلي الإجمالي، لكن المؤكد أن أوجه الشبه كثيرة.

فإذا كانت الصين هي صاحبة حضارة ضاربة في جذور التاريخ وصاحبة أكبر نسبة نمو عالمي خلال السنوات العشر الماضية، وحققت معجزة اقتصادية يشهد بها الجميع، فإن الإمارات أيضاً لها حضارتها العربية والإسلامية الراسخة.

إضافة إلى أنها هي أيضاً صاحبة المعجزة الاقتصادية والعمرانية التي يشهد بها الجميع ليس في المنطقة العربية فحسب ولكن في غالبية بلدان العالم، وصارت تجربتها خصوصاً في دبي مضرباً للأمثال. ثم انه إذا كان الصينيون بارعين في الإنتاج، فالإماراتيون بارعون في جوانب كثيرة مثل البناء والتسويق والترويج.. وهنا يمكن التلاقي من أجل صنع ملحمة مشتركة تجمع المارد الإماراتي والتنين الصيني.

وطبقاً للسفير الإماراتي في بكين محمد راشد البوت فإن الزيارة سوف تشهد توقيع عدة اتفاقيات، وانعقاد المنتدى الاقتصادي لكبريات الشركات ورجال الأعمال في البلدين وفتح آفاق جديدة في المجالات الاقتصادية بما يقود في النهاية إلى بناء علاقة شراكة استراتيجية حقيقية.

أيضاً فقد بات معلوماً أن الصين وهي تعيش قمة فترات نموها وانطلاقها الاقتصادي باتت في حاجة متزايدة إلى النفط.. وبما أن نصف وارداتها من هذه السلعة الاستراتيجية تأتي من بلدان الخليج، فلم يعد مقبولاً أن تنحصر علاقات البلدين في مجرد استيراد الصين للنفط الخام وإغراقها للأسواق الإماراتية والخليجية بالسلع الرخيصة فقط.

الشراكة الاستراتيجية تعني كما نعتقد أن يبدأ البلدان في التفكير بجدية في علاقة تكون مفيدة للطرفين على المدى البعيد. علاقة تبني مصانع لسلع حقيقية، وليست مجرد «تجارة شنطة» هدفها مجرد ربح سريع. علاقة تترك نقوشاً في عمق مصالح البلدين. والمؤكد أن زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الراهنة ستترك بصمة واضحة في هذا الصدد.