في 9 فبراير 2006 تم الإعلان في أبوظبي عن تشكيل الحكومة الحالية برئاسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة حاكم دبي، وبعدها بيومين أدت الحكومة اليمين الدستورية أمام صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة.

اليوم يمر عامان من عمر هذه الحكومة التي يفترض أن تشهد قريباً بعض التعديلات في صفوفها كما أعلن صاحب السمو الشيخ محمد قبل حوالي شهر. وبغض النظر عن التعديلات المنتظرة، فالمؤكد أن هذه الحكومة التي تعد السابعة في تاريخ الحكومات في الدولة قد حققت إنجازات باهرة داخلياً وخارجياً، والأهم أنها قدمت مفهوماً جديداً ومتطوراً للعمل الحكومي سواء من ناحية الشكل أو المضمون.

وإذا كان يقال عن حق إن نجاح أي اوركسترا هو في المقام الأول ينبغي أن يعود للقائد وبعده الفريق الموسيقي، فإن ذلك ينطبق تماماً على الحكومة الراهنة، فقائدها قد كرس كل وقته وخلاصة تجاربه ومعارفه من أجل إنجاحها وبالتالي لتحقيق مستوى مختلف ومتميز للوطن والمواطن.

منذ اليوم الأول لتوليه رئاسة الحكومة فاجأ صاحب السمو الشيخ محمد الجميع مواطنين ووزراء بطريقة مختلفة ومتقدمة في العمل.. منهج لا يعتمد فقط على الاجتماعات التقليدية وتشكيل اللجان، التي تتفرع عنها لجان، حتى يصاب بعض المواطنين باليأس من الحل.

كرس سموه مفهوم الزيارات المفاجئة للدوائر والوزارات، وكذلك الجولات الميدانية في سائر أنحاء الوطن خصوصاً المناطق النائية والتي كانت محرومة من كثير من الخدمات.. وضع سموه مفهوماً جديداً للعمل مفاده المسؤولية والحساب.. بمعنى أن العبرة في العمل هي الإنجاز وليست الشعارات والتصريحات.

وخلال هذين العامين لمس المواطنون ترجمة عملية لسياسة الحكومة وتنفيذ برنامجها، فقد تم توجيه عشرات المليارات من الدراهم إلى البنية التحتية للدولة التي عانت كثيراً وكانت تحتاج إلى ضخ المليارات كي تعود للعمل الكامل.. تم التوسع في بناء المساكن للمواطنين وكان آخرها إعلان سموه قبل حوالي شهر بناء 40 ألف مسكن تكون الأولوية فيها للمحتاجين، يومها أيضا تقرر مضاعفة المساعدات الاجتماعية.

كما تقرر تنفيذ بنية تحتية متطورة في سائر أنحاء الدولة خصوصاً بعد سقوط الأمطار الغزيرة وغير المسبوقة على أنحاء البلاد في الشهر الماضي. هذه الطفرة لم تكن قاصرة على قطاعي البنية التحتية وبناء المساكن، بل استفادت منها معظم القطاعات خصوصاً الصحة والتعليم.. والنتيجة النهائية أن ميزانية الحكومة التي كانت تعاني من الديون تضاعفت وزادت المعاشات 70%.

نجاح الحكومة لم يكن فقط داخلياً بل كانت النجاحات الخارجية لا تقل أهمية عن الداخل.. صحيح أن الأولوية هي أولا وأخيراً للداخل أي لخدمة المواطنين لكن الصحيح أيضا أن أي نجاح خارجي يعود نفعه أيضا على الداخل.. وهكذا جاءت الزيارات الخارجية لصاحب السمو رئيس الحكومة لتضيف قصصاً مختلفة من النجاحات.. رأينا سموه يزور دولاً ذات تأثير ملموس في صنع القرار العالمي سواء في الاقتصاد أو السياسة مثل الصين والهند وكوريا وأخيراً ألمانيا.

جوهر هذه الزيارات بالإضافة لتعميق العلاقات الثنائية، دار حول كيفية تعميق التبادل الاقتصادي الثنائي بما يعظم من التقدم الذي تشهده الإمارات في كافة المجالات والذي ينعكس في النهاية على مستوى معيشة المواطنين. وأحد جوانب عبقرية محمد بن راشد أنه يؤمن تماما بمفهوم التنمية الشاملة، التي لا تعني فقط تقدماً اقتصادياً أو تكريساً للثروة أو فقط بناء مساكن وطرق.. التنمية الشاملة تعني نهضة في كافة المجالات.

ومن الملفت للنظر ان هذا المعنى قد فهمته تماماً جامعة برلين الحرة وهي تمنح سموه أمس ميدالية الشرف الذهبية.. فبعد أن قدرت جهوده ومبادراته المتنوعة خصوصا في حقول المعرفة والعلم والأعمال الخيرية قالت إن سموه أثبت أن هناك إمكانية للتكامل بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية من جهة والتنمية التعليمية والمعرفية من جهة أخرى، وهذا ما حققه سموه في دبي والإمارات كما تقول الجامعة في حيثيات منحها الميدالية الذهبية لسموه.

رؤى هذا الرجل وسياساته وأفعاله كما ظهر جزء منها في زيارته الأخيرة لبرلين تؤكد أنه ليس فقط رئيس حكومة ناجحاً.. هو شاعر ومهموم ليس فقط بسعادة مواطنيه.. بل أيضا بسعادة البشرية وإسقاط الحواجز وإشاعة لغة الحوار بين الحضارات داحضاً مقولة الأديب الإنجليزي العنصري روديارد كيلنج التي قال فيها «إن الشرق شرق والغرب غرب ولا يلتقيان». الشرق والغرب يمكن أن يلتقيا إذا خلصت النوايا.

وإذا كان صحيحاً أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، فمع النهضة الاقتصادية والعمرانية الشاملة في الإمارات لم يغفل سموه الفكر والأدب والثقافة بل ان هذه المجالات تجد صدى أكبر في عقله وقلبه ووجدانه، ولذلك نراه يخاطب الأدباء والمفكرين الألمان في برلين أمس بقوله «أنتم عندي أهم من رجال السياسة». يضيف سموه بالقول «أنا شاعر وأفهم أهمية الشعر للحياة.. هو يجعل الأشياء الصامتة أكثر إشراقاً». مع رجل مثل سموه.. لا يمكن القلق على المستقبل في الإمارات.