لم يبالغ وزير الاقتصاد والتقنية الألماني ميخائيل غلوز في حواره مع «البيان» أمس حينما اعتبر زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي إلى ألمانيا والتي تبدأ اليوم علامة فارقة ومهمة على طريق العلاقات الاستراتيجية بين البلدين.

وحينما نصف العلاقات بين البلدين بالاستراتيجية فنحن لا نبالغ خصوصاً حينما نتحدث عن الشق الاقتصادي، فالبلدان وقعا اتفاقية شراكة استراتيجية بالفعل حينما زار المستشار الألماني السابق جيرهارد شرودر الإمارات في ابريل 2004.

لكن وقبل أن نوغل في قراءة وتحليل مغزى هذه الزيارة ونتائجها المحتملة، علينا أن نتوقف قليلاً لنشير إلى معلم بارز يميز جولات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الخارجية... هذا المعلم يتمثل في أن هذه الزيارات محسوبة بدقة فائقة... وتحركات تعرف ما تريد وما تصبو إلى تحقيقه.

فالمتتبع لجولات سموه يستطيع بسهولة بالغة أن يكتشف أولاً أنها كانت تستهدف الكبار في عالم الاقتصاد اليوم، من عينة الهند والصين وكوريا، ثم انها ثانية حققت نتائج جيدة للغاية انعكست في زيادة حجم وقيمة العلاقات الاقتصادية بين الإمارات وهذه البلدان بما يعود بالنفع على المواطن الإماراتي.

نعود إلى الجولة الألمانية الراهنة، وبطبيعة الحال، فلسنا في حاجة للتدليل على أهمية وجود علاقات جيدة ومتنامية مع العملاق الألماني.. فهذا البلد لا يحتاج شهادة من أحد كي يؤكد تفوقه وصدارته.. يكفي أن تقول «صنع في ألمانيا».

يكفي أن تتجول قليلاً في عالم الأرقام التي لا تكذب لتعرف أننا بالفعل بصدد عملاق اقتصادي جدير بالاحترام.. الاقتصاد الألماني هو الأكبر من حيث التصدير عالمياً متفوقاً على أميركا والصين، ثم إنه ثالث أكبر اقتصاد عالمي بعد الولايات المتحدة واليابان، وبطبيعة الحال فهو الأول أوروبيا ويتفوق على نظيره البريطاني بنسبة تزيد على 36%، ثم إن نصيبه من التجارة العالمية يساوي حوالي 10% رغم أن عدد سكانه لا يتجاوز 1% من سكان العالم.

وبجانب هذه الحقائق المجردة هناك ما هو أهم بالنسبة لنا في الإمارات.. ألا وهو العلاقات الثنائية.

الأرقام الحديثة تشير إلى أن المبادلات التجارية بين البلدين تحقق نمواً متسارعاً عاماً بعد عام لتصل حالياً إلى ما يقارب ستة مليارات يورو، وبالطبع فالميزان التجاري لصالح ألمانيا حيث تصدر إلينا ما قيمته 5 .5 مليارات يورو وتستورد فقط بحوالي 500 مليون يورو.

وهناك ما يقارب 700 شركة ألمانية في الإمارات. وبالأرقام أيضاً فإن الإمارات هي الشريك التجاري الأكبر والأهم لألمانيا في المنطقة، حيث إن إجمالي الصادرات الألمانية للعالم العربي تصل تقريباً إلى 5 .21 مليار يورو تمثل الحصة الإماراتية منها مقدار الربع.

العلاقات ليست مجرد أرقام تجارية فقط، بل هناك علاقات إنسانية أيضاً فعدد الألمان الذين يعيشون في الإمارات ارتفع إلى 8000 شخص منهم 6000 في دبي، إضافة إلى أكثر من 300 ألف ألماني يزورون الإمارات سنوياً من أجل السياحة، ولذلك ليس غريباً أن تسير «طيران الإمارات» 49 رحلة أسبوعياً إلى المدن الألمانية و10 رحلات من طيران الاتحاد مقابل 17 رحلة تقوم بها «لوفتهانزا» من مطارات الدولة إلى المدن الألمانية.

هذا التنامي المستمر في العلاقات خصوصاً الاقتصادية هو الذي يفسر لنا أيضا زيارات كبار المسؤولين في الدولتين بين الحين والآخر، فإذا كان المستشار السابق شرودر زار الدولة أكثر من مرة، فإن المستشارة الحالية انجيلا ميركل زارت الإمارات أيضاً قبل حوالي عام بالضبط، وكثير من كبار المسؤولين والوزراء من الإمارات زاروا ألمانيا في السنوات الأخيرة إضافة إلى اللجان المشتركة واجتماعات رجال الأعمال من الجانبين.

ورغم هذا التنامي المستمر في العلاقات فإنه غير كاف بمنطق الطموح، فلا يعقل أن يظل التبادل التجاري بهذا الحجم بين اقتصاد الماكينات العملاقة واقتصاد أسرع دولة تنمو في المنطقة وتحقق نهضة شاملة في كافة المجالات ويهدر فيها أكبر عدد من ماكينات والات البناء المتسارع ليل نهار وهي الإمارات.

لذلك فالأمل كله معقود على زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الراهنة كي تعطي أكثر من دفعة لهذه العلاقات الآخذة في النمو. ولا يعقل على سبيل المثال أن بلداً بحجم ألمانيا لا تزيد استثماراته المباشرة في كل العالم العربي عن 5 .1 مليار يورو، حوالي 400 مليون يورو منها في الإمارات؟

هناك ملفات كثيرة أيضاً يأمل كثيرون أن تحسم خلال الزيارة منها منع الازدواج الضريبي وعدم تقييد «طيران الإمارات» بالإجراءات الحمائية التي تمنعها من التحليق في بعض المدن الألمانية، وإعطاء دفعة من أجل التوصل إلى اتفاق التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي.

ألمانيا مطالبة بالتخلي عن الحذر وأن تسمح لماكيناتها العملاقة بأن تهدر أكثر في مشاريع المنطقة، خصوصاً في ظل نافذة الفرص الاستثمارية غير المسبوقة المفتوحة في الإمارات والمنطقة.

علاقات الجانبين لم تبدأ عام 1972 حينما تم تبادل السفراء، بل عملياً بدأت عام 1884 عندما ربطت ألمانيا القيصرية اهتماماتها الحيوية بين مستعمراتها في شرق إفريقيا وبين منطقة الخليج العربي، واستمر التبادل التجاري بينهما من وقتها حتى الحرب العالمية الأولى حينما تم اكتشاف النفط ثم إقامة الاتحاد وبعدها انفتحت آفاق جديدة في علاقات البلدين.

إذن البلدان يملكان ماضياً طيباً وحاضراً جيداً والمؤكد أن زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الحالية هي أكبر دفعة من أجل مستقبل واعد وأكثر ازدهاراً لهذه العلاقات.