المبادرة التي أطلقها أمس صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي تحت اسم حملة « دبي العطاء» لتعليم أطفال الدول الفقيرة، هي الأولى من نوعها عالمياً التي يطلقها رجل دولة، فهكذا هو دوماً صاحب السمو يعمل من أجل خير الإنسانية، من منطلق حرصه الدائم على مد يده المعطاءة لكل المحتاجين أينما كانوا من دون التوقف عند المشقات، ومن دون تردد أمام عبء المسؤولية الطوعية أو التكلفة المرجوة.

إن تلك المبادرة تحمل العديد من المعاني والدلالات: أولاً: إن هذه المبادرة تأتي متسقة مع رؤى وأفكار واستراتيجيات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، فقد سبق لسموه أن دعا في منتدى دافوس الدول الغنية قبل سنوات إلى التخلي عن بعض نفقاتها في التسلح وتوجيهها إلى تنمية الدول الفقيرة.

ثانياً: تأتي هذه المبادرة الجديدة امتداداً لتلك المبادرة التي أطلقها سموه في منتدى البحر الميت في 19 مايو 2007 بتخصيص مبلغ عشرة مليارات دولار لمؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للتنمية الإنسانية، فالمبادرة الأولى هدفها الارتقاء بمستوى الكفاءات من المتعلمين، أما المبادرة الجديدة فهدفها توفير التعليم للمحرومين منه، وكلتا المبادرتين هدفهما نشر العلم على كل المستويات في شمولية جامعة للغني والفقير وللصغير والكبير.

ثالثاً: جمع توقيت المبادرة الجديدة بين جلال شهر رمضان، شهر الصوم والعطاء والكرم، وبين قدسية نشر العلم. فذلك الشهر هو شهر القرآن، الذي كانت أول آية منه تنزل على نبينا الكريم هي «اقرأ» في دعوة صريحة إلى العلم. وهكذا تأتي تلك المبادرة التزاماً بنشر العطاء مقروناً بنشر العلم والمعرفة، فليس أفضل عند الله من بناء المدارس وإشاعة العلم بين الناس، خاصة الفقراء منهم.

رابعاً: إن تلك المبادرة تأتي لتكمل الضلع الثالث في مثلث العطاء المتواصل لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، فالضلع الأول لهذا المثلث بدأ من داخل الدولة ـ متمثلاً في مؤسسات سموه لرفع مستوى معيشة أبناء الإمارات، حيث أنشأ مؤسسة محمد بن راشد للأعمال الخيرية، ومؤسسة محمد بن راشد للإسكان، ومؤسسة محمد بن راشد لدعم مشاريع الشباب.

ثم كان الضلع الثاني الذي اتسم ببعده العربي وهو مؤسسة محمد بن راشد للتنمية الإنسانية، التي تستهدف نشر الإبداع والابتكار وتوفير البعثات العلمية للشباب العربي في أعرق الجامعات والمعاهد والعمل على بناء قاعدة معرفية بمستويات عالمية. وجاءت مبادرة «حملة دبي العطاء» لتعليم أطفال الدول الفقيرة أمس، لتتسم بأنها ذات أبعاد عالمية، فهي موجهة للأطفال المحرومين من التعليم في قارتي آسيا وإفريقيا، وخصوصاً دول العالم الإسلامي، أي أن هذه المبادرة إسلامية عالمية، تحمل نفحات شهر رمضان، ذلك الرباط الذي يجمع كل المسلمين ويمنحهم خصوصية عالمية.

وهكذا يقدم سموه المثل والقدوة على عالمية العطاء بكل أبعاده ويقدم للعالم صورة مختلفة للإنسان وللحاكم العربي، صورة مغايرة لتلك الصورة السلبية التي تحاول بعض الأوساط الدولية ذات المطامع المعادية لصقها بالعرب والمسلمين، بل وبالإسلام كدين، من هنا كانت أهمية توقيت الإعلان عنها ليعلم العالم أن الإنسان المسلم هو داعية خير وعلم، مصداقاً لقوله تعالى « يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» وهي الآية التي استشهد بها سموه في كلمته أمس.

لقد أكد سموه في كلمته وهو يعلن مبادرته الكريمة على أهمية العلم وكذلك «أهمية المساعدات في مجال التعليم مضاعفة عن أية مساعدات أخرى، لأن المحرومين من التعليم سيظلون خارج هذا العصر وسيظلون جاهلين بشؤون دينهم ودنياهم، ولن يتمكنوا من الوقوف على أقدامهم وسيكونون عبئاً على أنفسهم ومجتمعاتهم، وعلى العالم بأسره».

وذكر سموه أيضاً مدى خطورة المشكلة عالمياً، فـ «الآن يوجد 120 مليون طفل في العالم محرومين من الالتحاق بالمدارس، ولا يتمكن ثلث الأطفال في الدول النامية من إكمال خمس سنوات في التعليم الابتدائي، وهي سنوات الدراسة الضرورية للانعتاق من عبودية الأمية».

ولقد حرص سموه أن يرد الخير لأهله فأثنى على جمعة الماجد كنموذج مشرف في نشر التعليم، حيث وصفه بـ «صاحب العطاء الكبير للتعليم في الإمارات وفي العالمين العربي والإسلامي»، وتوقع سموه أن يحذو الآخرون من أبناء الإمارات والمقيمين للتسابق على فعل الخير والمساهمة المناسبة في هذه الحملة الإنسانية، فالإمارات التي «أضافت إلى عمقها العربي والإسلامي أفقاً دولياً ساطعاً» وتقدم نموذجاً ناجحاً للتعايش مدعوة اليوم من سموه «لترقية هذا النموذج ومنحه أبعاده الإنسانية من خلال العطاء معاً».

وفي هذه الدعوة قيمة كبرى تميز هذه المبادرة عما سبقتها من مبادرات، فقد كانت جميعها جهداً أساسياً وعطاءً كريماً من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الذي فتح الباب هذه المرة أمام الجميع للتسابق إلى الخير وإلى العطاء في رمضان شهر الكرم. وهو ما يضع علينا جميعاً واجب تلبية هذا النداء الكريم.

dhaen@albayan.ae