التسامح قيمة عظيمة وفضيلة من الفضائل التي دعا إليها القرآن الكريم وحض عليها رسولنا الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهي من المبادئ التي تؤسس للتعايش بين الشعوب والمجتمعات والأفراد مع الإقرار بالاختلاف والتنوّع والتغاير الذي يميز الأفراد من معطيات نفسية ووجدانية وعقلية ، وما يختص به كل شعب من شعوب العالم من مكونات ثقافية وحضارية.
ولذا فإن الإسلام عاش بين جميع أمم الأرض وانتشر في كثير من أرجائها بدون دعوة مباشرة وإنما بأخلاق ومعاملات من هاجر إليها من تجار ومن باحثين عن لقمة العيش وغيرهم، وعاش المسلمون بين أهل تلك البلاد مكرمين لهم مكانتهم واحترامهم، وقد صرّح القرآن بهذه الحقيقة في الآية الكريمة: «يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا».
وألمح القرآن إلى ضرورة الاختلاف ووجوده ليتمكّن كل إنسان وكل مجتمع من العيش حسب ما لديه من ثقافة وبالطريقة التي يهواها ويرتضيها «ولو شاء ربّك لجعل الناس أُمةً واحدةً ولا يزالون مختلفين».
والفئة الأشد حاجة لثقافة التسامح هي المسلمون الذين يعيشون في الدول الغربية، فهم يحتاجون إلى هذه الثقافة لتعينهم على التعايش في هذه المجتمعات وبين أهلها دون ضرر أو معاناة تقع عليهم، وهذه الثقافة تحتم على من بيدهم مسؤولية هذه الجاليات أن يقوموا بتبعاتها، من دول ومؤسسات وهيئات إسلامية أو من المراكز الإسلامية المنتشرة هناك، ولا يمكن لأحد أن يقول إن المهمة سهلة أو بسيطة ولكنها ليست مستحيلة، ولكن لا بد من الإخلاص ومن العمل الصادق في تبني هذه المهمة لرعاية هذه الفئة التي يمكن أن تكون خير سفير للإسلام وللمسلمين وللدول الإسلامية.
وكنت قد ذكرت في مقالة سابقة أنه من الأهمية وجود فقه جديد لهذه الجالية يكون متطابقا مع الوضع الذي يعيشون عليه ويراعي ظروفها الحياتية والمعيشية وعدم نقل الآراء الفقهية التي تلائم الشرق بحذافيرها إلى الغرب دون النظر إلى الواقع المغاير.
وفي هذا الصدد ننقل ما حذر منه إمام وخطيب المركز الثقافي الإسلامي في لندن الشيخ صلاح الأنصاري ونقلته عنه وكالة الأنباء الإسلامية من أن الفتاوى والآراء التي لا تراعي ظروف الجاليات المسلمة في الغرب تسبب فتنة ومشكلات بين أبناء الجالية.
ويؤكد الشيخ صلاح أن اندماج المسلمين في الغرب يعد من أبرز المشكلات التي تواجه المسلمين هناك ، وهي قضية غاية في الخطورة خاصة وأنها مرتبطة بثقافة الجالية وبالمستوى التعليمي، وعلى حد قوله فإنه لا احد يتدخل في شعائر المسلمين أو شؤونهم التعبدية.
ويحذر الشيخ صلاح الأنصاري مرة أخرى من أن الاندماج بين أبناء الجالية المسلمة غير متوفر والاندماج مع غير المسلمين مشكلة، والجالية في حاجة إلى فقه التسامح خاصة إذا كان الأمر يتسع لتعدد الآراء، أما فرض اتجاه واحد ورؤية واحدة مغايرة للواقع فان هذا حتما سيسبب الصدام.
انتهى كلام الشيخ صلاح الأنصاري بما يحمله من تحذير ومن دعوة صادقة لتبني برنامج لغرس قيم التسامح والتعايش والاندماج دون ذوبان الشخصية المسلمة، فهل يمكن أن نقوم بهذه الخطوة ودون النظر إلى مكاسب سياسية عابرة على حساب هذه الفئة، أتمنى صادقا من قلبي أن يتم ذلك.
tantawi2006@hotmail.com