العطاء والعمل الخيري ثقافة إنسانية واجتماعية، للمجتمع دور كبير في انتشارها بين الناس وتهيئتهم للقيام بها ولها تأثيرها الكبير على الأشخاص والمجتمعات البشرية، والعطاء نقيضه الأخذ وما تفشت قيم العطاء في مجتمع إلا وتقدم هذا المجتمع وتطور، وتدل كلمة العطاء على العديد من المعاني السامية، ومنها بذل المال للمحتاجين والفقراء أو المرضى أو حبس وقف لبناء المساجد والمدارس.

ومن أبرز الشخصيات التي تعهدت بإنفاق جميع أموالها في الأعمال الخيرية وتعتبر قدوة لرجال الأعمال والأغنياء «بيل جيتس» وكما هو معروف بأغنى رجل في العالم وأحد مؤسسي شركة «ما يكروسوفت» العملاقة، فعن صحيفة «وول ستريت جورنال» أن مؤسسة بيل جيتس وزوجته ميليندا الخيرية أصدرت بيانا في موقعها على شبكة الانترنت أنهما سينفقان جميع مواردهما المالية خلال خمسين عاما من وفاتهما في الأعمال الخيرية خلال القرن الحالي.

هذا نموذج من النماذج الكثيرة المعطاءة وفي مقابلها نماذج أكثر منها تضن بالعطاء على مجتمعاتها وعلى فقرائه ومحتاجيه، وتاريخنا الإسلامي على مر العصور حافل بالعطاء والنماذج المعطاءة، فكان الإنفاق والعطاء وحبس الوقف والدعوة إليه سمة الإسلام دعا إليه وأكد عليه القرآن الكريم ودعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان ثقافة سائدة في عصره وفي عصر الخلفاء الراشدين وفي العصور الإسلامية المختلفة.

وللوقف قيمة اقتصادية راقية لتمويل المشاريع المختلفة وهو سنة عن الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه أول من أوقف وقفاً في الإسلام، وأول من أمر الناس بتحويل صدقاتهم إلى وقف ويعتبر صدقة جارية بل هو أفضل أنواع الصدقة. ودليل مشروعيته أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء للرسول صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب قط ما هو أنفس عندي منها فما تأمرني فيها؟ فقال له صلى الله عليه وسلم: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها غير أنه لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يوهب ولا يورث». وقد بشر الرسول صلى الله عليه وسلم من يقوم بهذا العمل بقوله: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». وقد قال الشيخ سيد سابق في (فقه السنة) بأن المقصود بالصدقة الجارية (الوقف).

ومن أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم والتي لها دلالة عظيمة «اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول» واليد العليا هي اليد المعطاءة وأما اليد السفلى فهي اليد الآخذة، فالمعطي يده خير من يد الآخذ؛ لأن المعطي فوق الآخذ، فيده هي العليا. وفي رواية أخرى عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال يا حكيم: «إنَّ هذاَ المَالَ خَضِرُ حُلْوٌ فَمَنْ أخذَه بسخاوةِ نفسِ بُورِكَ لَهُ فيه، وَمَنْ أخذَه بإشْرَافِ نفْسٍ لَمْ يُبَارَكَ لهُ فِيهِ، وكانَ كالَّذِي يأكلُ ولا يَشْبَع، واليدُ العلْياَ خيرٌ مِن اليدِ السُّفْليَ».

قال حكيم: فقلت يا رسول الله: والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحداً بعدك شيئاً. حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر رضي الله عنه يدعو حكيماً ليعطيه العطاء، فيأبى أن يقبل منه شيئاً، ثم إن عمر رضي الله عنه دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل. فقال يا معشر المسلمين: أشهدكم على حكيم، إني أعرض عليه حقه الذي قسمه الله له في هذا الفيء فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأ حكيم أحداً من الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم حتى توفي رضي الله عنه.

moc.liamtoh@6002iwatnat