تحمل إطلالة شمس الرابع من يناير معها دعوة لتأمل ملامح مسيرة العام الذي انقضى، منذ تولي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الحكم في إمارة دبي، خلفاً لأخيه المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، وانتخاب أعضاء المجلس الأعلى حكام الإمارات له في الخامس من يناير 2006 نائباً لرئيس الدولة، وموافقتهم على اقتراح صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة بتكليفه رئاسة مجلس الوزراء وتشكيل حكومة جديدة.
هذا التأمل لابد له من أن يضع تحت أنظارنا مجموعة من الحقائق الأساسية التي طالما توقف المراقبون السياسيون عندها، وحرصوا على دراستها واستجلاء معانيها، خاصة وأن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حرص دوماً، في مجالات عدة، على تأكيد أن المسيرة لا بد لها أن تمضي في طريقها الصحيح، طالما أن لدينا رؤية شاملة وأهدافاً محددة، وطالما أننا نعرف اتجاهنا، وكل التنظيمات والإجراءات تسير في الاتجاه المحدد لها.
هذه المجموعة من الحقائق لن تساعدنا في رسم صورة واضحة للعام الماضي وما أنجزه في مجال العمل الوطني العام فحسب، وإنما هي تقدم لنا مساهمة حقيقية في استشراف آفاق المستقبل أيضاً. ولعل في صدارة الحقائق التي نتحدث عنها في هذا الصدد ما يلي:
أولاً: الحركة السياسية عند صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم هي، في جوهرها، استباق للمتغيرات، وهي أبعد ما تكون عن الاندراج في إطار ردود الأفعال عليها، ومن هنا على وجه الدقة يأتي تشديده دائماً في كل كلمة يلقيها وفي كل حوار يُجرى معه على أهمية التخطيط والرؤية المستقبلية. ولا حصر للمرات التي شدَّد فيها على أهمية استناد برامج العمل التنفيذي إلى استراتيجية وطنية شاملة، مروراً بتحديد الأهداف والأولويات وأساليب الأداء، وليس انتهاء ببرامج المتابعة ووتيرتها.
هذا المفهوم ليس وليد الأمس القريب، وإنما هو يعود إلى عقود مضت منذ الإطلالة المبكرة لصاحب السمو على العمل العام والمواقع القيادية، التي اضطلع بها على اختلافها، وصولاً إلى المسؤوليات الجسام التي يضطلع بها اليوم.
ووضع هذا المفهوم على أرضية التطبيق كان هو، على وجه الدقة، وراء الدور الرائد الذي تضطلع به الإمارات، والذي تقوم به دبي في العديد من المجالات، وخاصة ما يتعلق منها بالتوصل إلى آفاق اقتصادية وتنموية لم يكن أحد في المنطقة يتصور إمكانية استشرافها حتى الأمس القريب، دع جانباً الوصول إليها.
ثانياً: إعطاء الأولوية المطلقة في كل الميادين للإنسان، وطالما اقترن هذا البعد بمقولات شهيرة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، أبرزها تأكيده على أن تنمية الإنسان في الإمارات أهم من تنمية العمران. وعلى الرغم من المشروعات العملاقة التي تطل كل يوم تحت آفاق الإمارات وتستوقف أنظار العالم كله.
وأبرزها ما نراه في مجال العمران وإنشاء المزيد من الأحياء والمناطق السكنية والمرافق الكبرى، فإن ذلك يسبقه الحرص على وضع خطط وبرامج طموحة لتنمية الموارد البشرية المواطنة وإعدادها لمواصلة مسيرة التقدم، مع التسلح بأحدث التقنيات والوسائل العلمية، التي تكفل الارتقاء بالخدمات التي تعنى بالإنسان، ويبرز هذا كأوضح ما يكون في قطاعات التعليم والصحة والإسكان.
ربما ليس من قبيل الصدفة، في هذا الصدد، أن أحدث قرار أصدره صاحب السمو قد تمثل في مرسوم تحديد بدل زيادة إيجارات دبي ب7%، فهذا المرسوم هو تأكيد وإعلاء لقيمة كبرى، هي قيمة العدل، وتشديد على ضرورة أن تكون هذه القيمة أساس التعامل، لكنه في الوقت نفسه يأتي بادرة اهتمام حقيقي بالإنسان على أرض دبي، سواء أكان مواطناً أم مقيماً، حيث يحسم المشكلات في جانب من أهم جوانب حياة الإنسان ومعيشته.
ثالثاً: الحرص على الإطار الاستراتيجي والتصور الكلي في العمل الوطني العام، من دون أن يعني ذلك السماح بالتقليل من أهمية معالجة التفاصيل. وهذا طالما كان ملحوظاً لدى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، فهو باعتباره صانعاً للقرار من طراز رفيع، ورجل دولة بالمعنى التاريخي البارز، ما كان يمكن إلا أن يشدد على الرؤية الاستراتيجية للقضايا، التي من شأنها تحديد الأهداف والأولويات ومناهج العمل وسبل المتابعة في كل الميادين، ومن هنا تجيء النتائج الإيجابية التي هي الحصيلة الدائمة لتصدي صاحب السمو للقضايا والمشكلات وبرامج العمل الأكثر أهمية وإلحاحاً.
رابعاً: المتابعة الدقيقة للخطوات الإصلاحية على الصعيد الوطني في مختلف المجالات، ولعل هذا البعد يعد من أهم الأبعاد التي تؤكد الصلة الوثيقة بين صاحب السمو نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي ونبض الشارع السياسي، وقد انعكس هذا في العديد من الجوانب، ابتداء من تشكيل الحكومة ذاته، بما في ذلك استحداث وزارات وفصل أخرى وإلغاء غيرها في استجابة لضرورات العمل الوطني وتلبية لمطالبه واحتياجاته.
ويصل هذا الجانب إلى ذروة رفيعة من ذراه في انتخابات المجلس الوطني الاتحادي، التي حظيت بالدعم والتأييد من القيادة السياسية للإمارات على أعلى المستويات، بما في ذلك التشديد على أهمية قيم المشاركة والسعي للانخراط في العمل العام.
من هنا أيضاً جاء فتح الباب واسعاً أمام دخول المرأة والشباب إلى الساحة السياسية، وهو التطور الذي لقي التشجيع في مناسبات ومجالات لا حصر لها، وما نراه اليوم في إطاره هو الثمار الأولى التي من المؤكد أنها سيكون لها ما بعدها.
خامساً: الاهتمام الفائق بالريادة في المجالات الاقتصادية، بما يستدعيه ذلك من مشاركة وتعاون وثيقين بين القطاعين العام والخاص. وقد انعكس ذلك في تحقيق تكامل البنية المادية والقانونية الكفيلة بتدفق الاستثمارات والاحتياطيات المالية إلى اقتصاد الإمارات، كما انعكس أيضاً في إطلاق شركات رائدة على أرض الإمارات، لعل أبرزها شركة دبي لصناعة الطيران التي يبلغ إجمالي استثماراتها 55 مليار درهم.
هذه الحقائق، وغيرها كثير، تتكامل لترسم لنا بعض جوانب مسيرة الإنجاز والعطاء التي يواصل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الانطلاق فيها.
وهذه الحقائق هي أيضاً التي تجعلنا نعلق آمالاً كباراً على المزيد والمزيد من الإنجاز والعطاء في إطار مواصلة صاحب السمو لمسيرته، فهو لا يعد إلا ليفي بما وعد به، ولا يشير إلا ليتحقق ما أشار إليه، ولا يستشرف أفقاً إلا حمل الغد الجديد والمتميز والواعد تحت هذا الأفق.
