وقفنا في المقالة السابقة عن أهمية الحفاظ على حياة المسلمين خلال رمي الجمرات وخاصة وان هذا الموقف يشهد زحاما شديدا يحتاج إلى حكمة في الرمي وقد أورد العلماء العديد من الأدلة على فسحة وقت الرمي وجوازه قبل الزوال ومنها أن الرسول صلى الله عليه وسلم رخص لرعاة الإبل ومعها سقاؤها وحذاؤها أن يقدموا الرجم ليس فقط قبل الزوال بل في اليوم الذي قبله وليس هناك خوف من ضرر أو هلاك.

فعن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه أن رسول الله رخص للرعاة في البيتوتة يرمون يوم النحر واليومين اللذين بعده يجمعونهما في أحدهما.

كما أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس بترك المبيت والرجم مع إمكانه الحضور حيث إن منى قريب من الحرم، فعن بن عمر قال استأذن العباس بن عبد المطلب رسول الله أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له.

ومع أن الرسول رمى جمرة العقبة بعد طلوع الشمس إلا انه أذن للنساء بالرجم ليلا قبل دخول وقت الرجم لاتساع وقتها وأيضا ليست إلا جمرة واحدة وهذه الرخصة أيضاً في زمانه.

عن عائشة رضي الله عنها قالت أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمر قبل الفجر ثم مضت فأفاضت وكان ذلك يوم الثاني الذي يكون عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم. أخرجه الحاكم في مستدركه.

وعن عبد الله مولى أسماء أن أسماء نزلت ليلة جمع دار المزدلفة فقامت تصلي فقالت يا بني قم انظر هل غاب القمر قلت لا فصلت ثم قالت يا بني انظر هل غاب القمر قلت نعم قالت ارتحل فارتحلنا فرمينا الجمرة ثم صلت الغداة في منزلها قال فقلت لها يا هنتاه لقد رمينا الجمرة بليل قالت كنا نصنع هذا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فمن خلال هذه الوقائع التي حصلت في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم وبموافقته وفعل الصحابة دليل واضح على فسحة الوقت وسعته والحث على الرفق والسهولة والتي قصدها الإسلام في أدائها.

ولم يرد عن الرسول صلى الله عليه وسلم لا حديث صحيح ولا حسن ولا ضعيف نهى عن الرمي قبل الزوال أو بعد الغروب أو مجرد تحديد له أو تحديد لأفضليته ولا يصح أن يقال أن الرمي بعد الزوال هو أول الوقت لأن أول الوقت هو الأفضل لرميه صلى الله عليه وسلم، عن جابر قال رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة يوم النحر ضحى وأما بعد فإذا زالت الشمس.

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل فرض فرائض فلا تضيعوها وحرم حرمات فلا تنتهكوها وحد حدودا فلا تعتدوها وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها.