اعتدنا في معظم بلدان وطننا العربي الكبير على ظاهرة السلبية في الانتخابات من قبل الناخبين، حيث لا تزيد نسبة الإقبال على صناديق الانتخابات للتصويت في أحسن الأحوال على خمسين في المئة، وفي أحوال كثيرة لا تتجاوز الثلاثين في المئة، وهذه الظاهرة ربما يكون لها مبررات كثيرة في العديد من الدول، لكننا لا نعتقد أن لها أية مبررات في انتخابات المجلس الوطني القادمة في دولة الإمارات .

في بعض الدول يبررون هذه الظاهرة بشكلية الانتخابات التي تخضع في غالب الأحيان للتزوير لتغليب كفة أنصار النظام الحاكم، مما يولد الشعور لدى الناخبين بعدم الفائدة من وراء التصويت، وهذا الأمر كما هو واضح ومعروف لا وجود له في دولة الإمارات حيث لا توجد مراكز قوى تضغط على مرشحين لصالح مرشحين آخرين.

ويبرر البعض الآخر السلبية لدى الناخبين في بعض الدول باحتكار أحزاب ومؤسسات ونخب معينة للعمل السياسي في هذه الدولة أو تلك، في الوقت الذي تجلس فيه غالبية الشعب كالمتفرجين وكالغرباء عما يحدث على الساحة السياسية التي غالبا ما يكون موقعها هو العاصمة بينما باقي المدن والقرى مهمشة تماماً لا توجد فيها فاعلية سياسية.

ولا توليها الأحزاب والنخبة أية اهتمام، اللهم إلا أثناء الانتخابات من خلال الحملات الدعائية التي تذهب بهؤلاء المرشحين إلى المدن والقرى البعيدة كالغرباء والسائحين الأجانب يستجدون أصوات الناخبين هناك، الأمر الذي ينعكس بالسلبية لدى الناخبين تجاه هؤلاء الغرباء البعيدين عن القضايا الحقيقية لواقع المجتمع والساعين فقط لمصالحهم الخاصة أو لمصالح أحزابهم.

وهذا بالطبع ليس موجوداً في مجتمع الإمارات الذي لا توجد فيه نخبة سياسية تسعى للنجومية وللمصالح الخاصة ولا توجد فيه أحزاب، ولا توجد فيه بحكم طبيعته الجغرافية وتركيبته الاتحادية الحديثة أية فوارق ملحوظة بين العاصمة وباقي المدن، ولا يعطي فيه الإعلام المحلى أية امتيازات لفئة على حساب فئة أخرى.

ولا يجد فيه الإعلام الأجنبي فرصة للعب على التناقضات والفوارق بين أفراد الشعب وبعضهما وبينهما وبين المؤسسات الحاكمة، ولهذا نلاحظ أن كل مواطن إماراتي يهتم بشؤون دولته كما يهتم بشؤون إمارته ومدينته، ويعرف كل ما يحدث في شرق بلاده ومغربه وشماله وجنوبه، وتلعب التركيبة الاجتماعية والطبيعة الجغرافية والوضع الديمغرافي دوراً كبيراً في هذا الأمر.

كما يرى البعض أن الحالة الاقتصادية لدى فئات كبيرة من الشعب ومشاكل البطالة والفساد والصحة والتعليم والفقر والمواصلات ومشقة الحياة تصيب الشعوب بحالة من الإحباط واليأس تولد السلبية لديهم تجاه أية مشاركة سياسية وتجعلهم يغرقون في مشاكلهم التي تستغرق كل أوقات معيشتهم.

وهذه الأمور لا نجدها في مجتمع الإمارات الذي لم تصل مشاكله الاقتصادية والاجتماعية والأسرية لهذه المستويات ولا حتى قريبة منها، فهو مجتمع على الرغم من مشاكله إلا أنه وفق التقييمات الإقليمية والدولية مجتمع رفاهية يتمتع فيه الفرد بدخل يعد من أعلى الدخول في العالم وبخدمات وامتيازات تفتقر إليها غالبية المجتمعات المحيطة به، ولا مجال لدى أفراد المجتمع الإماراتي للإحباط واليأس والهروب من المجتمع.

لا توجد مبررات للسلبية لدى المواطنين الإماراتيين، وخاصة أن هذه تجربتهم الأولى مع الانتخابات النيابية التي منحتها لهم الدولة كامتياز وحق لابد وأن يكونوا جديرين به وبثقة الدولة فيهم، ولاشك أن السلبية والتقاعس عن الذهاب إلى صناديق الانتخاب سيكون أولاً خطأ كبيراً.

وثانياً سيشعر صاحبه بخجل وبندم كبير فيما بعد عندما يسأله أبناؤه وإخوته وأصدقاؤه عن دوره السياسي في المجتمع فلا يجد ما يقوله، وعندما يرى أمامه نواباً في المجلس الوطني شارك الآخرون من حوله في اختيارهم ولم يشارك هو.