يذهب البعض إلى أن قرار إجراء انتخابات المجلس الوطني في دولة الإمارات يأتي نتيجة التطورات الجارية على الساحتين العالمية والإقليمية وضرورة الاستجابة للتغييرات، بينما يذهب البعض الآخر إلى أن القرار يأتي نتيجة الضغوط الخارجية والداخلية التي تستدعي إجراء إصلاحات وتغييرات سياسية.
ويذهب البعض القليل إلى أن القرار إنما جاء من باب التجميل المطلوب في هذه الفترة، ولكن الحقيقة أن هذه الآراء في جملتها تغافلت الحقيقة الأساسية التي يقدمها واقع المجتمع الإماراتي والتي تميزه عن غيره كثيرا، هذه الحقيقة مفادها أن مجتمع الإمارات بطبيعته وواقعه المرئي للجميع مجتمع متغير ومتطور بشكل ملحوظ وأكثر من غيره بكثير سواء من جيرانه أو من غيرهم، وتطوره المطرد والسريع خلال العقود الثلاثة الماضية وخاصة في المجالات الاقتصادية لم يأت نتيجة أي ضغوط داخلية أو خارجية ولا نتيجة تغييرات جذرية على الساحتين الإقليمية والدولية.
بل جاء نتيجة إيمان وفكر القيادة والنظام الحاكم في الدولة، وكذلك نتيجة طابع المجتمع الإماراتي وتاريخه وتركيبته الاجتماعية التي ساعدت كثيرا على غلبة الجانب الاقتصادي على باقي جوانب الحياة، ويجب الإشارة هنا إلى أن وطأة الاهتمام بالجانب الاقتصادي على حساب الجانب السياسي أخف وأفضل بكثير للمجتمعات من تفعيل وتنشيط الجانب السياسي على حساب التنمية الاقتصادية، وربما تستطيع الدول أن تحافظ على استقرارها وأمنها مع التنمية الاقتصادية أكثر بكثير من اهتمامها بالسياسة على حساب الاقتصاد، والتاريخ يشهد الكثير من الأمثلة الدالة على أن تفاقم المشاكل الاقتصادية يخلق حراكا سياسيا كبيرا ليس بالضرورة أن يكون إيجابيا بل غالبا ما تكون نتائجه سلبية .
لقد أدت طفرة التنمية الاقتصادية الكبيرة في دولة الإمارات وما صاحبها من استقرار وأمن اجتماعي إلى هدوء واستقرار الأوضاع السياسية بشكل تلقائي، وهذا ما نلاحظه في تاريخ دولة الإمارات القصير على مدى ثلاثة عقود لم نشهد فيها أي اضطرابات سياسية أو أمنية على المستوى الشعبي، ولم نشهد فيها مطالبات شعبية بحقوق سياسية مثلما نشهد في المجتمعات الأخرى، فقد كان الشعب الإماراتي منشغلا إلى حد كبير في ملاحقة ومعايشة التطورات الاقتصادية ولم تفكر الغالبية الغالبة منه في أي مطالب سياسية، وإن كان هذا لا ينفي وجود البعض من النخبة المثقفة في المجتمع الإماراتي الذين كانوا بين الحين والآخر يطرحون بعض المطالب السياسية، وهذه طبيعة النخبة المثقفة في كافة المجتمعات.
ولاشك أنه من الأفضل أن يأتي التغيير السياسي نتيجة تطور ونهوض اقتصادي، لأنه بالقطع هنا سيأتي نتيجة دراسة ومراجعة كاملة وهادئة للأوضاع وليس تحت أي ضغوط داخلية وخارجية، وسيأتي مستجيبا للمتطلبات الاقتصادية والاجتماعية قبل السياسية وهذا أمر هام ومطلوب في الظروف الحالية التي تستوجب الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي قبل كل شيء، وخاصة في مجتمع مثل مجتمع الإمارات المتميز في تركيبته الاجتماعية وفي توجهاته الاقتصادية وأيضا في تركيبته السياسية الاتحادية التي تلعب دورا كبيرا في صناعة القرار السياسي في الدولة وتجعله متميزا إلى حد كبير عن غيره في المجتمعات الأخرى.