تحتل مؤسسات التعليم العالي موقعاً مهماً ومتميزاً في مجتمعات جميع بلدان العالم، فهي التي تقوم بإعداد المتخصصين القادرين على مواكبة التطور في شتى المجالات، وهي من ناحية أخرى مرآة لمستقبله، فأهدافها وبرامجها بقدر ما تراعي حاجته الآنية توفر أمناً لمستقبله، إذ تقوم بإعداد المختصين في الحقول المعرفية الجديدة التي قد يأتي بها المستقبل.

وإذا كانت التطورات المهمة، على مستوى العالم، لا يمكن إلا وان تترك تأثيراتها على الكثير من ملامح المجتمع، في كل مكان وفي كل زمن، إلا أن التعليم العالي يمثل من غير شك أحد أهم المفاصل في هياكل المجتمع الذي يستجيب للتطورات العالمية سواء في التأثر بالجديد من المعارف أو المناهج أو الأساليب.

لقد بقي التعليم العالي لفترة طويلة من الزمن حكراً على أبناء النخبة في المجتمع، في معظم دول العالم، إلا أنه أصبح متاحاً للجميع في العديد من الدول منذ عدة عقود من الزمن. وقد مكنت التطورات التي حصلت في السنين الأخيرة في مجالات المعلومات والاتصالات من توسيع دائرة المنتسبين إليه أضعافاً مضاعفة.

كما وضعته أمام آفاق جديدة غير مسبوقة تزخر بالتحديات وتزخر كذلك بالفرص الواعدة خاصة وأن الطلب على التعليم العالي، في بعض البلدان، يزداد بأسرع من قدرة المؤسسات التعليمية على توفيره وفق معدلات النمو المتعارف عليها.

مع نهاية الحرب الباردة في مطلع تسعينيات القرن المنصرم برزت إلى الساحة الدولية بشكل ملفت للنظر، ظاهرة لم تكن ملموسة في السابق، ألا وهي ظاهرة العولمة. وقد أصبح مصطلح العولمة واحداً من أكثر المصطلحات شيوعاً في مجالات عديدة تشمل السياسة والاقتصاد والثقافة والتعليم.

حيث يستخدم للدلالة على أن هذه الماهيات قد أصبحت ذات صفة عالمية وذلك لأن هنالك علاقات قد نمت وتطورت ونظماً قد تكاملت خارج أطر المنظومات الوطنية التقليدية التي عادة ما تُعرفها حدود جغرافية واضحة ومعالم ثقافة متميزة.

فالعولمة مؤشر على تقلص حجم العالم من جهة ومؤشر على تعاظم الوعي بأن هذا العالم قد أصبح كلاً متصلاً مع بعضه البعض من جهة أخرى.

العولمة هي انسياب الأموال والتكنولوجيا والخبرات والمعارف والبشر والقيم والأفكار والثقافات خلال حدود هشة. وقد أثرت هذه الظاهرة على جميع الدول، من غير استثناء، ولكن بدرجات متفاوتة تختلف باختلاف البلد وحسب تأريخه وتقاليده وثقافته وحسب مصادر ثرواته وأولوياته.

إن العالم بفعل العولمة في طريقه للانصهار في فضاء اجتماعي ـ اقتصادي واحد يشترك فيه الجميع من خلال الروابط الاقتصادية والتكنولوجية التي تتزايد عدداً وتتعاظم نفوذاً، حيث أصبح للتقدم في مكان ما، عواقب مهمة على فرص الحياة للكثير من الأفراد في أماكن أخرى.

وتعني العولمة من ضمن ما تعني توحيد الاقتصاد وأساليب العمل والثقافات والأخلاقيات لمختلف الشعوب، وتعني بشكل أكثر دقة، إزالة ما هو ضعيف من الطريق وإفساح المجال للقوي ليتمتع بقوة أكبر.

ورغم أن ظاهرة العولمة جديدة لا يزيد عمرها على عقد ونيف من السنين إلا أن تأثيراتها هائلة لمسنا البعض منها ولا يزال الكثير جداً منها لمّا يأت بعد. وليس من المستبعد أن تترك هذه الظاهرة من التأثيرات على مختلف نواحي الحياة ما يزيد كثيراً على ما تركته الثورة الصناعية والتطورات العلمانية والمدنية مجتمعة.

هنالك مواقف متباينة جداً من العولمة، ففي الوقت الذي يعبر فيه أنصارها عن فخرهم بالإنجازات التي تمت في ظلها في ضوء التطور الاقتصادي السريع الذي حصل في اميركا الشمالية و اوروباالغربية من جراء الاتفاقيات والمعاهدات التي أفرزتها، يرى البعض الآخر غير ذلك.

ففي البلدان المتقدمة نفسها، والتي انبثقت العولمة فيها كنتيجة طبيعية لانتهاء الحرب الباردة ولتوسع ثورة المعلومات والاتصالات نجد هنالك معارضة قوية لها، انعكست في التظاهرات الشعبية العارمة، التي رافقت مؤتمرات الثماني الكبار على مدى السنوات الماضية.

علماً بأن الدول المشار إليها مستقرة إلى حد كبير فيما يتعلق بالنواحي السياسية والاجتماعية وقد تطورت ضمن سياقات متشابهة تسمح بقدر كبير للاستجابة كلياً للطروحات المتبادلة والتسهيلات التي فرضتها العولمة.

التكنولوجيا الرقمية

لقد غيرت التكنولوجيا الرقمية الطريقة التي اعتادها المدرس في التعليم كما غيرت الطريقة التي اعتادها الطالب في التعلم، وكلما ازداد حضورها في الوسط الأكاديمي، ازدادت أهميتها فيه وازداد الاعتماد عليها في تطوير التعليم العالي ونقله إلى أطوار متقدمة.

هنالك ضرورة للمعلم وللطالب ولمن له صلة بالتعليم لأن يتعرف على دورها في التعليم العالي، ما الذي تستطيع صنعه وما الذي لا تستطيعه. فالبعض يرى فيها وسيلة لتقليص النفقات .

حيث يتم توفير التعليم لأعداد كبيرة من الطلبة لا يتسع الحرم الجامعي التقليدي لهم، في حين يراها آخرون، عنصراً مكملاً للعناصر التقليدية في التعليم العالي تفتح المزيد من الفرص لطالبي التعليم الذين ليس بمقدورهم الانضمام إلى الحرم الجامعي.

لقد كان التعليم العالي دائماً مصدر إنتاج المعارف المتقدمة ووضعها في متناول طالبيها، إلا أن بزوغ مجتمع يستند إلى المعرفة واقتصاد غير منفصل عنها، إثر دخول التكنولوجيا الرقمية في تفاصيل الحياة اليومية، قد سلط ضغوطاً كبيرة على التعليم العالي.

فقد ازدادت الحاجة إلى قوى عمل متنوعة وذات قدرات مرنة تعمل على التعلم المستمر وتسعى إلى تطوير قدراتها ومهاراتها، وازدادت تبعاً لذلك، الحاجة إلى وجود برامج دراسية وتدريبية تسهل هذه المهمة في متناول الجميع للانخراط فيها.

التعليم العالي في ظل العولمة

حتى وقت قريب، لم يكن التعليم العالي، على أجندة النقاشات التي تُجرى حول عواقب تحرير التجارة على البنى الأساسية في المجتمع. ففي ظل العولمة، بدأت منظمة التجارة العالمية، في لعب دور متعاظم في تحديد مسارات الاقتصاد العالمي ولا بد من التمعن في تأثيرات ذلك على التعليم العالي في هذا البلد أو ذاك.

تحظى العولمة باهتمام خاص من قبل راسمي السياسات التعليمية والمفكرين الأكاديميين والممارسين التربويين في جميع أنحاء العالم. فالنقاشات المكثفة حول طبيعتها وعناصرها هي نقاشات مثمرة ومهمة جداً، وليست مثيرة للجدل فحسب.

فمنذ سنوات عديدة يدور في أروقة مؤسسات التعليم العالي نقاش ساخن حول دور العولمة في إعادة صياغة استراتيجية التعليم العالي وحول عمق الآثار المتوقع أن تتركها هذه الظاهرة على أهدافه ومحتواه ومناهجه.

فما هي التحديات لمؤسسات التعليم العالي وللمنظومة الوطنية للتعليم في هذا الواقع العالمي الجديد، وكيف يمكن ضمان دور التعليم في التنمية الاقتصادية والثقافية والمجتمعية في المجتمعات المتقدمة والنامية؟

وكيف تقابل الضغوط المتصاعدة من مجتمع المعرفة الجديد؟، وكيف لاتفاقيات التجارة، الإقليمية والعالمية التأثير على الحكومات الوطنية، فيما يتعلق بالتعليم العالي؟

وكيف لموضوعات مهمة تتعلق باعتماد البرامج الأكاديمية وضمان الجودة أن تصاغ على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية؟، وكيف لصانعي السياسات ولمؤسسات التعليم العالي أن يتوصلوا إلى رؤى مشتركة حول الخطوط العامة لسياساتهم وأدواتها وآلياتها وما هو دور المنظمات العالمية، كمنظمة اليونسكو، في هذا الشأن؟.

سوف تعمل العولمة من خلال الآليات العديدة التي بحوزتها على توحيد السوق العالمية، في المدى البعيد، وتؤدي تبعاً لذلك إلى تضاؤل دور الدولة الوطنية وانصهار مؤسساتها في قوالب جديدة.

وهي القوالب التي يصممها الاقتصاد الأقوى في العالم، ومؤسسات التعليم العالي، وفق هذا المنظور، ليست استثناءً من ذلك، فالتعليم العالي في عصر العولمة في طريقه للتحول إلى سلعة يجري تبادلها في السوق التجاري.

هناك الكثير جداً من الأسئلة الحائرة تواجه قادة التعليم العالي حول مستقبل هذا التعليم في أجواء العولمة التي تعصف بالمنظومات التقليدية، مقابل عدد أقل من الأجوبة غير القاطعة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن التعقيد والتداخل، في محاور التعليم العالي المختلفة يجعل من الإجابات، في حالة توافرها، إجابات غير مؤكدة.

إن الحديث عن دور الجامعات في الإسهام في الاقتصاد العالمي الجديد يطول كثيراً بسبب سعة الموضوع، وبسبب كثرة المحاور المرتبطة به، وكذلك كثرة الرؤى التي يمكن من خلالها سبر أغوار هذا الموضوع الشائك.

ولعل من المناسب أن نشير بأن الجامعات في الوقت الذي تقود عمليات التغيير، التي تفرضها العولمة، تجد نفسها عرضة لرياح التغيير المنبعثة من محاور العولمة نفسها.

هنالك محوران مهمان للتأثر والتأثير بين التعليم العالي وعملية العولمة، فوفق المحور الأول يعتبر التعليم العالي أحد أهم قوى المجتمع القادرة على قيادة التحولات الاقتصادية في ناحيتين:

الأولى هي من خلال الدراسات والأبحاث التي تُجرى في أروقته حول محاور الاقتصاد الجديد ومدى ملائمة البنى التحتية المتوافرة، المادية والفكرية، في المجتمع للاستجابة لها.

والثانية هي من خلال البرامج الدراسية التي يقدمها والتي تسهم في إعداد الكوادر المؤهلة لإشغال الدرجات الوظيفية العلمية والفنية والإدارية، التي يتناغم أداؤها، مع ما يحتاجه الاقتصاد الجديد من معارف وآليات عمل. فالجامعات تضم عادة أفضل المتخصصين في جميع مجالات المعرفة النظرية والتطبيقية في المجتمع.

ووفق المحور الثاني يعتبر التعليم العالي نفسه قطاعا اقتصاديا ضخما حيث ترصد معظم الدول مبالغ طائلة سنوياً لخدماته إذ يربو حجم السوق العالمي على الثلاثين مليار دولار سنوياً وهو في نمو مطرد.

فرص وتحديات أمام التعليم العالي

للعولمة تأثيرات متعددة، اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية، تنعكس بهذا القدر أو ذاك على التعليم العالي، فهي لا تلج ساحته من باب واحدة، وهي تفرض تحدياتها بقوة في الوسط الأكاديمي وتهز قناعات صلدة، أبرزها:

1 ـ لم تعد الحكومات الوطنية المجهز الوحيد للتعليم العالي.

2 ـ لم يعد صناعة القرار في مؤسسات التعليم العالي حكراً على الأكاديميين.

3 ـ لم تعد الحكومات الوطنية صاحبة القرار في وضع الرؤى ورسم السياسات في التعليم العالي، فقد خسرت بعض نفوذها لصالح قوى إقليمية أو دولية.

هذه التحديات لا تمس فقط جوانب تقنية وأكاديمية وإدارية خاصة بالجامعات، وإنما تمس السيادة الوطنية للدولة وتمس مبدأ التنوع الثقافي وربما تتعارض أيضاً مع استراتيجية التنمية المستدامة التي بدأت العديد من الدول الالتزام بها.

من المهم جداً التقصي عن أبعاد التأثيرات التي قد تتركها العولمة على السياسات والاستراتيجيات والأهداف، في أروقة الحرم الجامعي، وإلقاء الضوء على ما يمكن أن تجر إليه هذه الظاهرة في المستقبل.

فالتأثير الذي تركته العولمة على التعليم العالي حتى الآن كبير ومتنوع، بعضه مباشر، وبعضه الآخر غير مباشر، فقد أوجدت العولمة:

1 ـ هيمنة متزايدة للأفكار المتعلقة بنمط الاقتصاد الجديد.

2 ـ اتفاقيات تجارية في مجال التعليم العالي.

3 ـ ابتكارات خاصة بالتعليم العالي ذات علاقة بتقنية المعلومات والاتصالات.

4 ـ تقلص الدعم الحكومي المالي للتعليم العالي.

5 ـ زيادة الاتجاه نحو خصخصة التعليم العالي.

6 ـ التركيز على دور اقتصاد السوق في التخطيط الأكاديمي.

7 ـ اندغام الثقافات وتخصيبها.

8 ـ إدخال آليات تقويم الشركات في تقويم أداء الجامعات.

9 ـ تحسين تجهيزات التعليم وتوفير فرص أكبر للطلبة.

10 ـ دعم الاقتصاد المعرفي.

11 ـ تنمية وتطوير العلاقات بين الجامعات لمنح شهادات مشتركة.

12 ـ فتح مجالات جديدة للمستثمرين.

13 ـ ظهور مؤسسات تعليم عال جديدة، مثل الشركات متعددة الجنسية، الجامعات المتعاونة، الشركات الإعلامية.

14 ـ ظهور أساليب جديدة في التعليم من ضمنها التعليم عبر الحدود والتعليم الافتراضي.

15 ـ تنوع أكثر في البرامج والتخصصات.

16 ـ زيادة حرية الحركة للطلبة وللبرامج الدراسية عبر الحدود.

17 ـ زيادة في القناعات على الحاجة للتعليم طوال العمر.

18 ـ زيادة المبالغ الموظفة من قبل القطاع الخاص في التعليم.

ولهذه التطورات تأثيرات مهمة على التعليم العالي في مجالات متعددة، من ضمنها: الجودة، التنوع، التمويل، الفرص المتاحة للطلبة.

وهذا يحتم على مؤسسات التعليم العالي أن تأخذ في حساباتها استراتيجيات ونشاطات مجهزي التعليم العالي الجدد، المحليين والدوليين، والمنافسة بينهم.

وإضافة إلى ذلك، فإن صيغاً جديدة من نظم المعلومات والاتصالات قد اخترقت الحدود الوطنية لمنظومات التعليم العالي مع تطمينات مهمة على جودة التعليم، وعلى حماية الزبون وعلى احترام حقوق الملكية الفكرية والثقافات المحلية والهويات الوطنية.

من غير الممكن التطرق إلى عواقب العولمة على التعليم العالي دون أن نذكر شيئاً عما يعرف بالعالمية، في التعليم العالي، فهذان المصطلحان، العولمة والعالمية، قد يساء فهمهما أحياناً وقد يستعمل أحدهما بدل الآخر.

العولمة هي الظاهرة التي تفرض تأثيرها على التعليم العالي، أما العالمية فهي إحدى الطرائق التي يستجيب فيها التعليم العالي للفرص التي تتيحها العولمة وللتحديات التي تفرضها كذلك.

العالمية في التعليم العالي تشمل مجموعة واسعة من العناصر مثل: البرامج الدراسية، التعليم/التعلم، البحث العلمي، اتفاقيات المؤسسات، انتقال الطلبة والأساتذة بين الجامعات، التعاون من أجل التنمية وغير ذلك.

التجارة في التعليم العالي

إن أكثر المحاور سخونة في النقاشات التي تجرى حول تأثير العولمة على التعليم العالي هي اللوائح التي تشمل القواعد والشروط لتحرير وتنظيم التبادل التجاري لخدمات التعليم من خلال الاتفاقيات التجارية.

إن فكرة تحرك الأكاديمية، طلبة وأساتذة، بين عدة دول، ليست جديدة، فعدد الطلبة الذين يجتازون حدود بلدانهم للدراسة خارجها يربو على المليون والنصف مليون سنوياً.

والجديد في هذا الصدد، هو ان العولمة، قد لا تعمل على زيادة هذا العدد ولكنها تعمل على مضاعفة حركة البرامج الدراسية ومجهزي هذه البرامج عبر الحدود لأغراض تجارية ربحية، وقد اكتسبت هذه الحركة زخماً جديداً مع إنشاء اتفاقية الخدمات التجارية.

إن الاتفاقية الجديدة التي تشرف على التعامل بها، منظمة التجارة العالمية، هي أول اتفاقية من نوعها لتغطية الاتجار بالخدمات، فالاتفاقيات السابقة، كانت حول المنتجات، وليس حول الخدمات. فمن خلال اتفاقيات التجارة العالمية للخدمات، صنف التعليم كواحد من اثني عشر من الخدمات الأساسية، وحصل التعليم العالي على التسلسل الخامس في هذا الصنف.

إن تضمين خدمات التعليم العالي في التبادل التجاري من خلال القواعد التي وضعتها الاتفاقية أصبح أمراً واقعاً لا مفر من التعامل معه. ولكل بلد أن يحدد المدى الذي يسمح لمجهزي الخدمات غير الوطنية للوصول إلى سوقه المحلي.

وعلى أية حال، فإن القلق المتزايد الذي يؤرق التربويين في جميع أنحاء العالم هو حول حقيقة أهداف منظمة التجارة العالمية التي تسعى إلى تطوير التبادل التجاري لتحقيق اقتصاد كفء من خلال تعزيز كفاءة التعليم العالي.

هنالك وجهات نظر معادية بشدة لهذا التوجه، فبعض من له مصلحة في التعليم من ذوي المواقف التقليدية: المعاهد، المدرسون، الاتحادات، الطلبة، والمفكرون، وقفوا معارضين بشدة لفكرة التعامل مع التعليم العالي كسلعة من السلع، وألحوا على ضرورة قيام حكوماتهم لوضع التزامات في مجال التعليم العالي في مضمار الاتفاقية.

في حين أن آخرين، من نفس المجموعة، يقرون بأن التجارة في التعليم ليست جديدة، فهي موجودة أصلاً، ولها فوائد وفرص نجاح واضحة شريطة أن تنظم بعناية وحرص. وهم يرون أن هنالك فوائد في التبادل التجاري في خدمات التعليم العالي فزيادة التنافس في سوق التعليم يذكي التوجه نحو التميز والابتكار.

وإضافة إلى ذلك، فإن التبادل التجاري، من خلال مؤسسات ربحية ومؤسسات تقليدية قد يعمل على توفير فرص جديدة للحصول على التعليم العالي. وهم يقرون بأن ضمان الجودة في التعليم العالي وضمان المساواة في الحصول عليه وحماية وتعزيز فرص المتعلمين، قد أصبحت قضايا رئيسية ينبغي تلبيتها قبل التفكير بأية زيادة في تجارة التعليم العالي.

وضع الأكاديميون في أميركا اللاتينية ملاحظات ناقدة حول اتفاقية التجارة بخدمات التعليم في اللقاءات الأكاديمية التي عقدت في البرازيل وفي بيرو. وكذلك في الاجتماع المشترك بين الجامعات الإسبانية والبرتغالية وجامعات اميركا اللاتينية الذي عقد في البرازيل عام 2002.

حيث أوصوا حكوماتهم بعدم إعطاء أية التزامات جديدة إضافية لتحرير التجارة في مجال التعليم من خلال اتفاقية التجارة بخدمات التعليم أو من خلال منظمة التجارة العالمية، وأوصوها باحترام إعلان المؤتمر العالمي حول التعليم العالي والالتزام بالاتفاقيات التي اقترحتها منظمة اليونسكو.

هنالك العديد من الجهات ذات العلاقة الوثيقة مع التعليم العالي ولها مصالح مباشرة في رؤيته ضمن سياقات إستراتيجية واعدة وهي تنظر إلى تأثره بالعولمة من زوايا خاصة جديرة بالمناقشة وهذه الجهات هي:

1 ـ اتحادات المعلمين محلياً وإقليمياً وعالمياً.

2 ـ مؤسسات التعليم العالي في العالم، والتي تضم الجامعات والمعاهد التي تمنح الدرجات الجامعية، وكذلك مراكز الأبحاث في اوروبا وكندا والولايات المتحدة التي أصدرت إعلاناً مشتركاً عن التعليم العالي واتفاقية التجارة في خدمات التعليم، والذي قبل لاحقاً من قبل إتحاد الجامعات العالمية.

3 ـ اتحادات الطلبة في اوروبا التي أعلنت مواقفها المتحفظة على جعل التعليم العالي بمثابة سلعة تخضع مثل بقية السلع إلى التبادل التجاري الذي يحكمه هاجس الربح.

وهذه الجهات ذات المسؤوليات المتنوعة في التعليم العالي على اطلاع تام بفوائد عالمية التعليم العالي وهم يساندون التوجهات التي تسعى إلى إبقاء التعليم العالي تحت سيطرة المجتمع ومسؤوليته. وهم يتساءلون بشكل جدي حول التعامل مع التعليم على انه خدمات قابلة للتبادل التجاري وقاموا بحث حكوماتهم على عدم إعطاء المزيد من الالتزامات نحو الاتفاقية.

تراجع الهوية في الدول النامية

الدول النامية معرضة بشكل خاص كي تصبح أسواقاً غير منظمة لتصدير التعليم العالي بسبب عدم كفاية القدرات الحكومية للتنظيم، لأسباب اقتصادية أو بسبب عدم استقرار هذه الحكومات. فهنالك قلق حقيقي من ان تناقص الدعم الحكومي للتعليم العالي في الدول النامية سوف يتفاقم مستقبلاً وسيصبح الطلبة مستهدفين من قبل مؤسسات التعليم الخاصة.

والتي غالباً ما تكون تكاليف الانتماء إليها مرتفعة، مما يسمح فقط للميسورين دون غيرهم الحصول على ميزة التعليم العالي. إذ أن كلفة تأهيل الفرد كي يقبل في سوق العمل أصبح مصدر قلق إضافي للطلبة ولأولياء أمورهم وللمجتمع وللشركات.

كما أن ضمان الجودة في التعليم يدعو إلى المزيد من القلق حيث يصبح من الضروري توفير الحماية للطلبة ولأولياء أمورهم من مجهزي التعليم الذين لا يتمتع ما يعرضوه من البرامج الدراسية والتدريبية بالمواصفات التي تقرها هيئات الاعتماد الأكاديمي العالمية.

ويبقى السؤال الأكثر أهمية هو: كيف تستطيع مؤسسة ربحية تقليدية، تتعامل بالتعليم العالي عبر الحدود، الإسهام في خطط التنمية التي تضعها الدول النامية. فالعلاقة المتطورة بين الدولة والسوق فيما يتعلق بمسؤوليات التمويل ووضع اللوائح، هي الأخرى، قضية على قدر كبير من الأهمية ترتبط بما تلعبه العولمة من دور في التعليم العالي.

إن تضاؤل التمويل الحكومي لمؤسسات التعليم العالي، والرؤى الاقتصادية المعاصرة لهذه المؤسسات، تمنح الدولة دوراً أقل من ذي قبل وتحد من دور الحكومات في المسائل ذات العلاقة بالتعليم العالي، في حين يتنامى دور القطاع الخاص بشكل ملحوظ.

إلا أنه مهما تعاظم حجم القطاع الخاص، في «سوق التعليم العالي»، محلياً وعالمياً، تبقى الحكومات ومنظمات المجتمع المدني مسؤولة إلى حد كبير عن توفير الحماية للطلبة ولأولياء أمورهم وللمجتمع كذلك، حيث يتحقق ذلك من خلال:

1 ـ إدامة حضور الحكومات في وضع السياسات في مجال التعليم العالي، ضمان جودته، وضمان أدائه وفق المعايير المعتمدة، في تحقيق الرسالة التي يحملها للمجتمع، وليس دوره في التطور الاقتصادي فقط.

2 ـ إدامة حضور منظمات المجتمع المدني، فطالما يهدف التعليم العالي إلى خير المجتمع، فهو مسؤولية تامة لمنظماته غير الربحية، مع أن البعض يرغب في جعله مسؤولية مشتركة بين القطاعين العام والخاص، الربحية وغير الربحية.

التعليم عبر الحدود

جلبت العولمة والأساليب الجديدة في تقديم التعليم العالي عدداً من المفاهيم الجديدة معها، تشمل: انعدام الحدود، الانتقال عبر الحدود، وهي مصطلحات مجازية لا تتعلق بالحدود الجغرافية التقليدية.

فانعدام الحدود، في مجال التعليم العالي، هو اجتياز المفاهيم والبرامج والتخصصات الحدود الجغرافية التقليدية بيسر وسهولة، قياساً بما كان عليه الحال في عصر ما قبل العولمة. ففي عصرنا الحالي يجعل التوسع في التعليم عبر الحدود وسهولة التواصل الفوري عبر الشبكات الإلكترونية الحدود الجغرافية التقليدية بلا دور فاعل.

ولكن هنالك حدوداً أخرى، مهمة جداً في سياقات التعليم العالي، وهي لوائح الترخيص والاعتماد الأكاديمي في هذا البلد أو ذاك. وتبرز أهمية هذه الحدود حين يتعلق الموضوع بأمور سيادية مثل المسؤوليات النظامية التي تتعلق بموضوع الجودة، والتمويل، والتنوع في البرامج الدراسية، التي تخدم أهداف خطط التنمية في البلد.

تتباين الآراء والمواقف حول التعليم العالي عبر الحدود، من بلد إلى آخر، إلا أن هنالك مشتركات في المواقف المطروحة إزاءه أبرزها الواقعية في تقبل هذا النمط من التعليم الذي يوفر فرصاً لا تستطيع المؤسسات المحلية توفيرها، لطالبي التعليم العالي، سواء فيما يتعلق بالبرامج المطروحة أو ما يتعلق بطريقة الانخراط فيها.

وهذا التعليم لا يقتصر على جهة فردية واحدة وإنما جهات عديدة بعضها ذو طابع جديد تماماً (خاصة شركات متعددة الجنسية، مؤسسات إعلامية)، إضافة إلى معاهد تقليدية وحكومية قررت تصدير برامجها الدراسية إلى بلدان أخرى.

ورغم تحفظ البعض (الهند) في قبول التعليم العالي عبر الحدود في البداية، إلا أنه قُبل في النهاية، من قبل منظمات المجتمع ومن قبل الشركات التي تتحكم بسوق العمل، حيث اعتبرت هذا النوع من التعليم لا يتعارض مع مشاريع التنمية ولا يعمل على حرفها عن أهدافها أو إعاقتها وإنما يملأ فراغاً.

إن معظم وجهات النظر التي عبر عنها أكاديميون من البلدان العربية والصين والهند وكازاخستان وماليزيا، حول التعليم عبر الحدود، قد أشارت إلى فوائده، فهو يوفر الفرص للتدريب، ولديه مرونة مناسبة في تطوير البرامج الدراسية، التي تتماشى مع حاجة الصناعة.

كما أنه يعمل على تعزيز فرص التعلم ودعم الابتكارات في التعليم العالي ويدخل تقنيات جديدة متطورة وأساليب عمل جديدة لا تقتصر فوائدها على التعليم العالي فقط وإنما تتجاوز ذلك إلى مجالات أخرى ويخلق بيئة تنافسية مع الأسلوب التقليدي في تقديم التعليم العالي.

من المهم أن نلاحظ إن التعليم التقليدي، سواء كان حكومياً أم خاصاً، حالما يصبح تعليماً عبر الحدود، يتحول إلى كينونة خاصة، في طريقة ترخيصه في الدولة التي تسمح بدخوله، كذلك فإن مجهزي التعليم عبر الحدود، يعتبرون قطاعاً خاصاً حتى لو كانوا غير ذلك في بلدانهم.

هنالك العديد من القضايا التي قد تكون مربكة، في مجال التعليم العالي عبر الحدود، تتعلق بهوية المجهزين الجدد، المجهزين التقليديين، مفهوم الربح، مفهوم البحث العلمي. كما أن هنالك حاجة لوضع تسميات مناسبة للكثير من المصطلحات التي وردت في هذا السياق، والتي تخدم خصوصيات البلدان كل على حدة.

وهنالك مخاطر قد تنجم عن التعامل مع بعض الشركات المجهزة للتعليم العالي والتي تهدف فقط إلى تحقيق أقصى الأرباح وتقدم تعليماً لا يخضع لمعايير الجودة، وتتخطى في قبول الطلبة، معايير القبول المعمول بها في مؤسسات التعليم العالي الوطنية.

ويجمع المختصون في مجال التعليم العالي على الحاجة إلى وضع إطار عالمي يُتفق عليه لضمان الجودة وضمان الاعتماد الأكاديمي للبرامج المقدمة عبر الحدود دون الإخلال بحقوق الدول المختلفة في وضع معاييرها الخاصة كذلك.

ويمكن لمنظمة اليونسكو، التابعة للأمم المتحدة، وهي المنظمة ذات الصلة بالتعليم، أن تلعب دوراً هاماً في وضع الأطر والسياسات لتنظيم ومراقبة التعليم عبر الحدود الذي في معظم حالاته نشاطاً تجارياً رغم كونه جزءاً من علاقات وصلات أكاديمية، طويلة الأمد، للتبادل العلمي والمعرفي، وذلك لسببين:

1 ـ إنها المنظمة الوحيدة القادرة على الوصول جغرافياً إلى معظم بقاع العالم.

2 ـ إن رسالتها ومواقفها من العولمة تنبثق عن مبادئ الأمم المتحدة.

إذ يمكن اعتبار اليونسكو بمثابة منظمة موحدة لسياسات الدول، فهي تستطيع القيام بوضع أطر نقاش مهمة ومعقدة حول أهمية مجموعة من الموضوعات، ذات العلاقة، بتأثيرات العولمة على التعليم العالي، وتستطيع كذلك، أن تساعد الدول الأعضاء في وضع أطر السياسات واللوائح الوطنية.