أمس كان (الفاتح) من سبتمبر عيد الثورة الليبية (السابقة)، لكنه عيد عاد بحال غير حال الأعياد السابقة عليه، حيث لا احتفالات ولا رايات خضر ولا هتافات بحياة الزعيم (ملك الملوك). فاتح الأمس مر متوجسًا، خائفًا مما يتربص به في مستقبل الأيام، حيث العقيد ما زال يهدد بالدمار وإحراق الديار، بينما مؤتمر باريس يبحث مستقبل ليبيا ما بعد القذافي، التي سماها المؤتمر (ليبيا الديمقراطية)، وفي نفس الوقت يتحفظ الاتحاد الأوروبي على الموقف في ليبيا.
ويعتبر الحرب لا تزال قائمة، فكيف يطلق مؤتمر باريس (العملية الديمقراطية) في ليبيا وسط هذا الالتباس والغموض؟ أما الاتحاد الإفريقي فيطالب بإعلان المجلس الوطني الانتقالي عن تشكيل حكومة ليبية تمثل جميع مناطق ليبيا.
ومع الاتحاد الأوروبي تتحفظ كذلك روسيا والصين وجنوب إفريقيا. هذا التعجل من جانب باريس هدفه الأول هو النفط، الذي يقال إن الفرنسيين حصلوا على وعد مسبق بـ35% منه لفرنسا وحدها مقابل خدماتها السابقة ضد كتائب القذافي، بينما قوات بريطانية لا تزال تلاحق قوات القذافي لتسجل لنفسها نصرًا أخيرًا يعطيها حق طلب نسبة لا بأس بها من الـ65% المتبقية من نفط ليبيا، أما واشنطن فتعرف طريقها جيدًا للفوز بما تريد دون جعجعة إعلامية، حيث لن ترضى بأقل من نصيب الأسد.
أما العرب فيفترض أنهم معنيون بأمن الشعب الليبي وسلامته أولًا، فالنفط نائم في باطن الأرض بمأمن عن الصواريخ والقذائف، ينتظر ناقلات أوروبا وأميركا، حيث أصبحت المسألة مسألة وقت حتى يبدأ الشحن.
لكن الشعب الليبي يعيش الآن تحت تهديد قصف الناتو وقصف قوات القذافي على السواء، ذلك الأخير الذي لم يعد أحد يعرف مكانًا كي يتفاوض معه، ومصير سرت المكدسة بالأسلحة ما زال محفوفًا بالخطر. فأي ديمقراطية تعمل باريس على إطلاقها في ليبيا تحت ظلال هذه التهديدات المحدقة؟
كل الدول التي عارضت القصف العشوائي الذي شنته طائرات حلف الأطلسي على ليبيا، تعارض أيضًا هذه التسوية المتعجلة للملف الليبي النازف دمًا ودموعًا لمدنيين لا يعرف أحد طريقهم أو كيفية إنقاذهم من هذا المصير الكئيب الذي يتهددهم، خاصة في المناطق الغربية والجنوبية، بينما الغربيون غارقون في أوهام الرغبة في اقتسام كعكة النفط الليبي من خلال الإعلان عن بدء إعادة الإعمار وإرساء النظام الديمقراطي.
ورغم أن العالم يأمل في أن يكون ما تم الإعلان عنه أمس في مؤتمر باريس حقيقة واقعة، إلا أن الجانب العربي المشارك في مؤتمر باريس ممثلًا في جامعة الدول العربية ينبغي أن يرى الشأن الليبي عن قرب، ويدرك مسؤولياته تجاه شعب شقيق عضو في الجامعة عانى الكثير خلال عملية التحول المريرة التي مر بها مع الكثير من التشويه للحقائق، والتجاهل لحقوق الإنسان الليبي التي صدر قرار مجلس الأمن رقم 1973 لحمايتها.
ومن ثم فإن من المؤمل أن يكون ممثلو الجامعة في مؤتمر باريس أمس جسرًا أمنيًّا لتوصيل المعلومات بشفافية مطلقة حول الوضع الملتبس في ليبيا، وكشف النوايا الحقيقية لفرنسا وحلفائها تجاه الأشقاء في ليبيا والضغط لسرعة الإعلان عن موعد انتخابات مؤمنة جيدًا تتيح الفرصة للشعب الليبي لينتخب قيادته الجديدة في عموم بلاده.