صدرت قوانين تحديث النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي في اليابان، في إطار إصلاحات شمولية أطلقها الإمبراطور المتنور "مايجي" منذ العام 1868، واستمرت فاعلة بقوة حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.
واستمدت تلك القوانين مبادئها من تقاليد الكونفوشيوسية الصارمة، التي تعطي الأولوية للجماعة التي تحتضن الفرد، ضمن نظام متكامل من التراتبية الاجتماعية التي لم تتغير بصورة ملحوظة، إلا بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية.
فقد حرصت تدابير الإصلاح التي فرضها الاحتلال الأميركي لليابان، على ضمان احترام الفرد الياباني والدفاع عن حرياته الأساسية، وعدم تذويبه في الجماعة. لكن تلك المبادئ لم تأخذ طريقها إلى التطبيق العملي، وفق التوجهات الجذرية التي حاول الأميركيون إدخالها على المجتمع الياباني في سنوات 1945 - 1952، فقد واجه اليابانيون بشراسة جميع التوجهات الأميركية التي تخالف التقاليد والأعراف اليابانية.
ولعب التضامن الاجتماعي الدور الأساسي في إحداث تغيير مهم في بنية المجتمع الياباني وتوظيفه لصالح الشعب بكامل طبقاته، بعد أن تم توظيفه سابقا في خدمة النظام الإمبراطوري ومغامراته العسكرية التي انتهت بسقوط اليابان تحت الاحتلال الأميركي. كما أن العلاقات الاجتماعية بين سكان الأرياف وسكان المدن، حافظت على الأطر التقليدية السابقة في النظر إلى الإنسان الياباني الفرد، ضمن البيئة التي نشأ فيها.
فبقيت العلاقات الاجتماعية بين اليابانيين أسيرة التقاليد الموروثة، مع التشديد على السلوك الأخلاقي والاحترام المتبادل، وتقدير آراء المسنين، وغيرها من مبادئ "السلوك السليم" التي تطبع بعمق جميع مظاهر الحياة في اليابان، وبشكل خاص في مجال التربية والثقافة.
اعتبر التعليم العصري القاعدة الصلبة الذي بنت عليها اليابان نهضتها منذ أواسط القرن التاسع عشر، وما زال حتى الآن من أفضل أنظمة التعليم في العالم. فانخفضت نسبة الأمية فيها إلى الحدود الدنيا.
وهو أمر لم يكن متوفرا في كثير من البلدان، وتعتبر نسبة الطلاب في المدارس والجامعات اليابانية من أعلى النسب في العالم. وقد ساهم التعليم في نشوء أجيال متعاقبة من المنتجين، تتمتع بثقافة عالية ولديها قدرة كبيرة على زيادة الإنتاج في مختلف مراحله.
لقد تداخلت ركائز المعاصرة اليابانية ضمن أخلاقيات المجتمع التقليدي، بحيث لا تتعارض مع القيم والتقاليد الإيجابية الموروثة. وتبنت الإصلاحات توجهات عقلانية وفق الأسس التالية:
1 – الحفاظ على نظام القيم الذي يطور شخصية الإنسان الياباني وينمي مواهبه الموروثة، ويساهم في تطوير ثقافته الإنسانية عبر اكتساب العلوم العصرية.
2 – الحرص على تنمية روح المواطنة بشكل جماعي، ومن طريق نشاطات ثقافية تحافظ على التراث من جهة، وتنمي مجتمع المعرفة من جهة أخرى.
3 – مشاركة فاعلة للمواطن الياباني في النشاطات العامة، بدءا من المدرسة وصولا إلى الجامعة والمصنع ومراكز الإنتاج، وفرض رقابة مباشرة من وزارة التربية على جميع المدارس الخاصة والرسمية، لضمان تعليم نوعي جيد لجميع اليابانيين.
4 – مشاركة اليابانيين الجماعية على حل مشكلاتهم بالتعاون في ما بينهم، وتنمية روح الجماعة والتضامن الجماعي، دون إغفال دور الفرد.
5 – الحفاظ على القيم اليابانية الإيجابية، من خلال تنمية سلوك وشخصية الإنسان الياباني، وتدريبه على احترام الآخرين، وتشجيع المواطن على ممارسة حقوقه وواجباته كاملة، مع شعوره التام بأن حريته غير منقوصة.
وقد ساهمت الإصلاحات اليابانية في دخول الفتيات إلى المدارس الابتدائية والثانوية بأعداد كبيرة، فكانت نسبة تعليم الفتيات في هذا المجال من أعلى النسب العالمية منذ نهاية القرن التاسع عشر. لكن غالبية الطالبات حرمن في البداية من دخول جامعات طوكيو وكيوتو، اللتين أسسهما الإمبراطور مايجي في بداية حركة النهضة والتحديث.
واستمر التضييق على دخول الفتيات إلى الجامعة حتى الحرب العالمية الثانية، بسبب تحكم النزعة العسكرية في الإدارة اليابانية. ورغم التطور العاصف الذي شهدته اليابان في النصف الثاني من القرن العشرين، وعلى مختلف الصعد، فإن نسبة تعليم الفتاة بقيت مرتفعة فقط حتى نهاية المرحلة الثانوية وفي المعاهد التي تدرس سنتين جامعيتين.
بينما كانت تقل بشكل حاد في التعليم الجامعي لمدة أربع سنوات. يضاف إلى ذلك أن أكثر من 70–80% من مديري الشركات من اليابانيين حتى أواسط عقد الثمانينات، كانوا يرفضون توظيف الفتيات الخريجات ويفضلن عليهن الذكور، متذرعين بالحفاظ على مصلحة الشركة أولا، خاصة وأن الفتيات عرضة للزواج والانقطاع عن العمل.
على جانب آخر، برزت روابط قوية بين تطور مراكز الانتاج المعاصرة على نطاق واسع، وبين زيادة الإنتاج. وتعتبر اليابان في طليعة الدول المتطورة التي وظفت في الرأسمال البشري. ولا تقتصر سنوات الدراسة فقط على المدارس، بل تستمر طوال سنوات العمل والإنتاج، حيث يخضع العمال والإداريون إلى دورات مكثفة للاطلاع على كل جديد في مجال عملهم، مما ينعكس بشكل إيجابي على عملية الإنتاج في جميع مراحلها.
وتولي الإدارة اليابانية أهمية خاصة لكيفية الاستفادة من الإنسان الياباني في مختلف حقول الإنتاج، مع مراعاة كفاءته الشخصية. ويأتي انخراط الخريجين في سوق العمل، بعد فترة اختبار طويلة من التدريب والمراقبة. وهي تقاليد موروثة تكاد تكون فريدة من نوعها، بالقياس إلى الأنظمة المعمول بها في دول أخرى، من حيث الاستقرار في العمل الثابت.
وتعتبر حيازة العلوم العصرية المدخل الأكثر وثوقا لدخول سوق العمل، الذي يقوم على نظام التشغيل حتى سن التقاعد.
لكن الشهادة الجامعية في اليابان هي أبعد ما يكون عن مجرد لقب ثقافي، فشهادة الاختصاص بالعلوم العصرية، هي وثيقة تؤهل حاملها لدخول عالم الإنتاج، والإدارة، لكن المثابرة على التحصيل العلمي والتدريب، هي ضمان نجاحه في العمل. فمن أصل 1150 رئيس شركة يابانية عام 1967.
فإن نسبة تزيد قليلا على 25% كانوا من خريجي جامعات اليابان الرسمية، مقابل نسبة كبيرة ممن أكملوا تحصيلهم العلمي في مراكز الإنتاج والعمل. وبقيت الجامعات الرسمية هي الأكثر حظوة بين الجامعات اليابانية، حتى العقد الأخير من القرن العشرين حين تكاثر عدد الجامعات الخاصة بصورة واضحة.
ختاما، حافظت اليابان على تقاليدها الإيجابية الموروثة، مع الانفتاح التام على العلوم العصرية.
وباتت جامعات اليابان تنافس أرقى الجامعات العالمية على رفع مستوى التعليم، وفي تخريج عاملين في مختلف مجالات الإنتاج، والتوظيف، وإعداد إداريين أكفاء لسوق العمل.
وبرزت مؤخرا قيادات شابة متخصصة، تمتلك علوما عصرية متطورة، وتشارك بكثافة في الثورات العلمية والتقنية، وفي الإعلام والإعلان. وبات علماء اليابان يحصدون سنويا جوائز عالمية، منها جوائز نوبل في مختلف الاختصاصات العلمية العصرية والتكنولوجيا المتطورة.