الجمهور.. ناطق هناك في ألمانيا، صامت هنا في الإمارات، حقيقة لا تخفى على عين كل متابع لمباريات كرة القدم في بطولتي الدوري الألماني والإماراتي، الجمهور بين أثرين كلاهما يناقض الآخر، تناقض يصل مداه عندما يقترن بالأرقام، ويُعزز بالمعدلات والنسب المئوية للحضور الجماهيري في كل مباراة من بطولتي كلتا الدولتين، مع عدم إغفال حقيقة الفارق الشاسع في التعداد السكاني بين الإمارات وألمانيا.
بين حالين
التناقض بين حال جمهور بطولتي الدوري في ألمانيا والإمارات، يتجسد حقيقة ماثلة من خلال ما يشكله المشجعون في مباريات (البوندسليغا)، من قوة لا يستهان بها في الجانبين المادي والمعنوي، مادياً، حيث يشكل الجمهور أحد اهم مداخيل الأندية في ألمانيا، ومعنوياً عندما يتحول التشجيع هناك في الدوري الألماني إلى قوة دفع تقود الفريق، أي فريق في (البوندسليغا) إلى بذل اقصى ما لديه من أجل تحقيق ما يسعد الجمهور حتى لو كان الفريق متأخراً بهدف أو أكثر.
أمر لافت
واللافت في حجم التأثير المعنوي الإيجابي للجمهور في (البوندسليغا)، هو أن عشاق أي فريق في الدوري الألماني، لا سيما فرق المقدمة، يصرون على التشجيع طوال المباراة سواء كان الفريق فائزاً أو خاسراً، متقدماً أو متأخراً بهدف أو أكثر، قناعة من ذلك الجمهور بأن التشجيع واجب، ينفذه أولئك الأنصار برغبة ودون أي (منة)، ما ينعكس كل ذلك إيجاباً على مسيرة الفرق في الدوري الألماني، حتى تصبح العلاقة التي تجمع الجمهور بفرق البطولة الألمانية، أصيلة وذات قواعد راسخة، تظهر حقيقتها وصورتها الناصعة مع كل كبوة يمر بها هذا الفريق أو ذاك.
الصورة الوردية
وإذا كان الحال كذلك في ألمانيا وربما أكثر، فإن الأمر يبدو مختلفاً وليس بتلك الصورة الوردية هنا لدى جمهور الدوري الإماراتي، حضور في غالب الأحيان يرتبط بمدى إيجابية مسيرة الفريق ونتائجه الجيدة في سلم الدوري، حضور في غالب الأحيان، (بدون تعميم)، لا يشكل أي قوة دفع، خصوصاً عندما يكون الفريق متأخراً بهدف أو أكثر، ما يُفقد العلاقة بين الطرفين قوتها وأصالتها المطلوبة.
دبي الرياضية
ولعل الأمر هنا بحاجة إلى نوع من المقارنة أو الأمثلة الحية، ليتسم الطرح بالموضوعية المطلوبة، وهذا ما يدفعنا إلى التوجه إلى شاشة قناة دبي الرياضية التي تبث مباريات الدوري الألماني، لنسمع على الهواء مباشرة الأصوات الهادرة من على مدرجات مختلف ملاعب فرق (البوندسليغا)، تشجيع متواصل دون النظر إلى تقدم أو تأخر الفريق، الأمر سيان، كما لو أن ذلك الجمهور قد عاهد فرقه على التشجيع في السراء والضراء.
مقارنة منطقية
2وحتى تكون المقارنة منطقية أكثر، فإننا نتوجه بأقدامنا إلى مدرجات ملاعب فرق الدوري الإماراتي لنرى حقيقة أن جمهور دوري الخليج العربي صامت في أحيان كثيرة، أو في أحسن الأحوال، تصفيق ولكن بشرط تسجيل الأهداف، ما يعكس حقيقة أن الجمهور هنا صامت في غالب الأحيان، وهناك في ألمانيا ناطق دائماً وبلا مبالغة.
إحصائية ألمانية
وحتى تكتمل صورة المقارنة، فإن إحصائية ألمانية بينت أن فريق بروسيا دورتموند، جاء في المركز الأول في حجم الحضور الجماهيري بمعدل 80 ألف متفرج في كل مباراة، ليكون إلى جانب 3 فرق ألمانية أخرى، ضمن قائمة الفرق العشرة الأوائل في دوريات العالم الأكثر حضوراً.
3000 مشجع
ومن زاوية الأرقام والمعدلات والنسب المئوية، فإن أي من فرق دوري الخليج العربي لن يجتاز حاجز الـ 3000 مشجع طوال مبارياته خلال الموسم في أحسن الأحوال، لتتبين لنا حقيقة أن الجمهور هنا صامت، وغير مؤثر سواء في الصعيد المادي أو المعنوي على عكس نظيره الناطق في ألمانيا!
حكاية عربية
شهد العام 1984، حكاية عربية لخصت تفاصيلها حجم الأثر المعنوي الكبير للجمهور عندما يكون متفاعلًا بقوة مع فريقه، فيدفعه إلى الفوز حتى لو كان متأخراً بهدف أو أكثر، تماماً كما فعل أنصار منتخب الجزائر الأولمبي لكرة القدم في التصفيات الأفريقية لأولمبياد لوس أنجلوس في تلك المباراة التي جمعت الشقيقين، الجزائر والسودان.
وفي تلك المباراة، تقدم المنتخب السوداني بهدف السبق في الشوط الأول من لقاء الإياب في مدينة عنابة الجزائرية في ظل صمت أنصار الفريق الجزائري، وما إن حلت الدقائق التالية للهدف السوداني، حتى ثار المشجعون الجزائريون من على المدرجات هاتفين بأسماء لاعبي منتخب بلادهم.
الأمر الذي مكن المنتخب الجزائري من إدراك التعادل، ثم (إجبار) شقيقه السوداني على لعب وقت إضافي، انتهى لمصحة أصحاب الدار بنتيجة 3 /1 بقوة تفاعل جمهوره وعدم جلوسه صامتاً على المدرجات!

