مما لاشك فيه أن تضافر الجهود والإمكانيات شرط أساسي لنجاح الأفكار، لكنه شرط مرتبط بعوامل أخرى، من أهمها آراء الخبراء ومقترحات العاملين في الميدان وتصورات ذوي الرأي والممارسة.
هنا يفرض الشرط الفني نفسه باعتباره قائما على تجربة حقيقية فيها الكثير من النجاح، ويعتريها عند التطبيق اخفاقات هنا أو هناك. فالنظريات دائما تختبر عند التطبيقات.
ولذلك فهي قابلة لإعادة النظر والتصحيح، والحذف والزيادة، وكنا قد تطرقنا إلى المفاهيم والمصطلحات والشروط العامة وخصوصيات كل تجربة في مكانها وزمانها. ثم تطرقنا إلى واقع الحال من بعض التجارب العملية في المحيط الإقليمي، ولكن ذلك لا يمكن فصله عن التجربة المحلية.
ونرى أن من حق من يعايشون هذه التجربة علينا أن يدلوا بدلوهم، كل من وجهة نظره. ففي بئر التحديات يمكن أن تغرف ما تستطيع، ولكل دلو حجمه وسعته، وعندما لا يعود الدلو ممتلئ، ففي الأقل سيكون مقياسا على عمق البئر وحجم ما فيه.
هنا لا نتبنى رأيا بعينه، لكننا نحاول الإطلالة على تلاقح الأفكار والآراء، وصهرها في بوتقة واحدة، ما لها وما عليها.
بيئة رياضية
يتحدث عبدالله حسن عبدالله مشرف التدريب والتطوير في اتحاد الكرة، معلقا على منحة التفوق الرياضي، وأهميتها بالنسبة للمتفوق رياضيا، فيقول: هناك لاعبون يدرسون في الجامعات وهم يلعبون مع المنتخبات الوطنية، وبالنسبة لهؤلاء الشباب سواء لاعبي المنتخبات أو الأندية، فالمستقبل المهني في لعبة كرة القدم إلى سن الـ 30 35 عاما كحد أقصى.
ويتساءل عبدالله: كيف نصل إلى صيغة توافقية بين الرياضة والعلم لا سيما للاعبين المتفوقين رياضيا ودراسيا في نفس الوقت، ويمثلون المنتخبات الوطنية؟.
ويستطرد قائلا: تحت ضغط من الأسرة، وفي ظل غياب الحافز الأكاديمي، يسلك هذا اللاعب الشاب درب الدراسة، تاركا الملاعب، وبذلك نخسر لاعبا يفيدنا من ناحية تحقيق الطموح.
ويضيف: في سنوات التدريب، عندما ينقطع اللاعب عن التدريب، فإن الجهة الرياضية المعنية بتدريب هذا اللاعب تخسر بطلا أو لاعبا مهاريا، وهنا فإن الدور المناط بوزارة التربية والتعليم أن توفر بيئة للتربية الرياضية، وليس فقط التمثيل على مستوى الجامعات، لاسيما وأن هذا التمثيل يتعلق بالطلبة غير المتفوقين رياضيا.
مشكلة
ويرى مشرف التدريب والتطوير في اتحاد الكرة، وهو المعايش عن قريب لمنتخبات المراحل السنية والتي تتألف من لاعبين هم طلاب دراسة في الأساس، وجود مشكلة كبيرة بعدم وجود كلية للتربية الرياضية في الدولة، مضيفا: في السابق كانت موجودة، فيتجه الطلاب إليها للدراسة فيها، ولكن الآن فإن الرياضي المميز حاله كحال أي طالب، إذ إن تميزه الرياضي لا يعطيه أي امتياز في الجامعة، وتمثيله للدولة في أي محفل يلقى من خلاله صعوبات.
وخلص عبدالله إلى القول: لا توجد كلية الإدارة الرياضية، فكثير من اللاعبين يملكون تفوقا إداريا إلى جانب تفوقهم الرياضي، وهم بحاجة إلى مثل هذا التخصص الأكاديمي، ولكن نجد أن من يعمل حاليا في المجال الإداري الرياضي يمارس عمله من منطلق الخبرة وليس التعلم.
اهتمام حكومي
من جانبه يتحدث محمد مصطفى، وهو مدرب للعبة كرة اليد ومدرس تربية رياضية معلقا على "منحة التفوق الرياضي"، فيقول: يعاني الرياضيون من ضغط في العملية التعليمية، إذ يقضون وقتا كبيرا في التدريبات الرياضية، مما ينعكس على تحصيلهم العلمي، وهو ما يدفع أولياء الأمور إلى الطلب من ابنائهم أن لا يذهبوا إلى النادي، من أجل مصلحتهم الدراسية.
ويتمنى مصطفى أن تأخذ الحكومة الأمر باهتمام، ورعاية هؤلاء المتفوقين رياضيا ومنحهم بعض المزايا، فيكون لها انعكاسات إيجابية.
ويؤكد مصطفى أن "منحة التفوق الرياضي" لها فائدتها على الرياضيين، مشيرا إلى أنه درس الجامعة وفق منحة التفوق الرياضي في بلده مصر، مستطردا: مثل هذه المنحة تمنح الرياضي دفعة إلى الأمام من أجل الاستمرار في الرياضة، لاسيما وان كثيرين تركوا الرياضة من أجل الدراسة.
ويشير مصطفى أن "التعلم من أجل الإجادة" مطبقة كفكرة على مستوى وزارة التربية والتعليم منذ سنوات، إذ يتخصص الطالب بلعبة أو اثنتين في السنة، ومن خلالها يتبين من هو المتفوق رياضيا من غير المتفوق رياضيا.
واختتم حديثه بالقول: لا يتأخر اللاعب عن بلاده، وبالتالي لا بد أن لا تتأخر عليه البلد لا سيما في موضوع "منحة التفوق الرياضي"، خاصة وأن الأندية تعاني من تسرب كثير من لاعبيها لا سيما في فترة امتحانات الثانوية العامة، ولكن الأمور ستتغير عندما يعرف ولي الأمر أن منحة التفوق الرياضي ستمنح ابنه فرصة الدراسة الجامعية.
مرزوق: أنا بين نارين .. إما مواصلة ابني الرياضة أو التركيز في الدراسة
عنتر مرزوق، عضو في اللجنة الفنية في النادي الأهلي، وولي أمر اللاعب محمد مرزوق، أحد لاعبي فرق المراحل السنية في النادي، وهو ما دفعني لأسأله وهو اللاعب الأسبق في الأهلي، كيف ينظر كولي أمر وكرياضي أيضا إلى "منحة التفوق الرياضي"؟، فيجيب: هي فكرة ممتازة لو نفذناها في الإمارات، كما إن مثل هذه الأفكار الإيجابية كالتي يطرحها "البيان الرياضي" ستوفر على الأندية معاناتها من هجرة المواهب، لا سيما وأن هذه الموهبة ستصل إلى طريق المفاضلة بين الرياضة ومواصلة العلم، وبالتالي فإن كثيرين يفضلون مواصلة دراستهم على مواصلة اللعب.
ويتابع قائلا: أنا شخصيا بين نارين .. كرياضي أريد لإبني أن يواصل اللعب، وكأب أريده أن يواصل دراسته والحصول على الشهادة العليا، ولكنني سأكون أكثر رضا لو هناك "منحة التفوق" إذ ستمكنه من السير في هذين الخطين بتوازٍ.
ويستطرد حديثه: أتصور أن كثيرا من الأسر سترحب بهذه الفكرة لو طبقت، وستشجعهم لرفد الأندية بأبنائهم المتفوقين رياضيا، ليكون بعد ذلك رافدا للمنتخبات الوطنية.
كما ستساعد "منحة التفوق الرياضي" الأندية وتدفعهم لتقديم منح دراسية أيضا كل موسمين لأفضل 10 مواهب رياضية في النادي على سبيل المثال، وهو ما يعزز هذه المنظومة، كون الأندية مع الاتحادات والمعنيين هم من يقود التطور الرياضي في الدولة.
فكرة أسرية!
ويقول محمد عفيفي مدرب في كرة القدم ومدرس للتربية الرياضية إن الفكرة العامة لكثير من الأسر تتمثل في أن الرياضة تعطل عن الدراسة، والاهتمام بالمستوى الدراسي وربطه بالمستوى الرياضي، وعلى إثره سيكون حافزا عند الطلاب الرياضيين للوصول إلى المستوى الدراسي الجامعي. بينما يؤكد عفيفي أن الجيل الذي شرّف الكرة الإماراتية بالتأهل إلى كأس العالم لكرة القدم عام 1990، معظمه من لاعبين جامعيين.
ويضرب عفيفي مثلا ببطولة حمدان بن محمد للمدارس التي تخلق الحوافز، كأن توزع مكافآت على الطلاب المتفوقين والمدرسين المشرفين، مما يخلق حافزا للمدرسة. بينما معظم البطولات الخاصة بوزارة التربية والمناطق التعليمية لا حوافز مادية فيها.
ويؤكد عفيفي واقع أن الاهتمام للمتفوقين رياضيا أكثر بالدراسة ومعظم الطلاب يواصل اللعب إلى أن يصل إلى مرحلة الثانوية العامة فقط، ومن ثم يترك الرياضة ويتجه إلى الوظيفة. ويضيف: إن الفكرة العامة تتمحور أن الرياضيين غير مهتمين بالدراسة، وبالتالي فإن فكرة "منحة التفوق الرياضي" تشجع الأهالي لمواصلة ابنائهم اللعب، فيما ترتقي باللاعبين إلى المستوى الجامعي.
وعن أبرز المعوقات، يقول عفيفي: عدم توفر الدخل للأسرة، حيث الفكرة ان اللعب في النادي يعطل الطلاب عن مستقبلهم. ويرى عفيفي أن دور الأندية التوعية بأهمية الدراسة، وكلما تفوق الطالب دراسيا وخلقيا انعكس على أدائه في النادي.
وخلص إلى القول: كان هناك قسم للتربية الرياضية في جامعة الإمارات، وللأسف أغلق فيما بعد، ووجود كلية التربية الرياضية حافز ليكون الرياضي متسلحا بالعلم والمعرفة، وأن لا يكون رياضيا بدنيا وجسديا فقط.
