في لقاء «العلم اليوم» معه، تحدث مدير المعهد الدولي للتخطيط التربوي التابع لليونسكو، خليل محشي، بكل شفافية، مؤكداً في بداية اللقاء أن مستوى التخطيط التربوي في عالمنا العربي دون المستوى، وأنه لم يرق بعد إلى الدرجة المطلوبة، التي تتناسب وتطلعات البلدان العربية في تحقيق التنمية المستدامة، ومواكبة المتغيرات العالمية المتسارعة.

في اللقاء نفسه يطلعنا الخبير التربوي الدولي على حقيقة التحديات العالمية التي تواجه التعليم، غير أن حديثه عن نظمنا التربوية العربية، كان هو نقطة الانطلاق المفضلة لديه في هذا الحوار.

حديثكم عن تدني مستوى التخطيط في عالمنا العربي مقلق، وأنتم تعملون على الساحة الدولية، ترى، كيف ينظر الغرب إلينا؟

هناك صورة موحدة للوطن العربي يراها الغرب، أو بالأحرى تراها الدول المتقدمة، وإن كانت بعض البلدان العربية تسير في الاتجاه الصحيح نحو تطوير منظومتها التعليمية، والارتقاء بمستوى مدارسها، وتتلخص في أن الغرب ينظر إلينا نظرة واحدة.

ما السبيل إذن لتصحيح أوضاع التخطيط التربوي عندنا؟

للأسف لا تزال قدراتنا في التخطيط التربوي محدودة، فأغلب وزارات التربية والتعليم العربية تفتقر إلى المخططين الذين يستندون إلى منهج علمي في أداء عملهم، وأن ثمة ضرورة لرفع قدرات العناصر البشرية، وتأهيلها وإعدادها بالشكل الذي يمكنها من التخطيط الجيد، ومن ثم دعوة التربويين إلى المشاركة في التخطيط، وصياغة المشروعات والبرامج وتنقيحها.

في الوقت نفسه لا بد أن تكون هناك مشاركة للجميع في التخطيط، لتفادي مشكلة كبيرة تكمن في ضعف الانتماء تجاه الخطط التي دائماً ما تنحصر عمليات إعدادها في بلادنا العربية عند فئة محددة من صناع القرار، وهذا بدوره يؤثر بالسلب في عمليات التنفيذ، وتطبيق مشروعات التطوير.

انحصار عملية التخطيط في فئة معينة قد يعود إلى انخفاض أعداد الخبراء، ممن لديهم القدرة على التخطيط، أي ليس هناك أي تعمد في استئثار فئة بهذه العملية؟

قد يكون الأمر كذلك، غير أن هذه الحالة لا تعد مبرراً منطقياً لعدم إشراك الجميع في التخطيط. وهنا نؤكد على ضرورة بناء القدرات المواطنة وتأهيلها واستثمار الخبرات المحلية، فأغلب الدول العربية التي أزورها اكتشف اعتمادها بشدة على خبرات أجنبية لبناء وصياغة خطط التطوير.

قد يستغرق إعداد الخبرات المواطنة وتأهيلها كما تقولون وقتاً طويلاً، ألا يؤثر ذلك في مسارات تطوير التعليم ومشروعاته المحددة بزمن ووقت، لتنفيذها؟

تلك هي مشكلتنا، والتفكير بهذه الطريقة التي يطرحها سؤالكم، هو الذي يتسبب في التأخر، وأضرب لكم مثالاً على ما حدث في كمبوديا التي استطاعت في وقت وجيز الانتقال من الدمار والخراب إلى أوضاع جيدة في نظامها التعليمي، وحققت إنجازات عدة في هذا الجانب، على الرغم من أنها بدأت من الصفر.

وقد ارتكز سر نجاح كمبوديا، على تأهيل خبرات مواطنة في إعداد الخطط، ومن ثم استند النجاح نفسه إلى منهجيات ورؤى واضحة لتطبيق الخطط وتنفيذها، من دون حشرها في الأدراج، أو الاحتفاظ بها على الأرفف.

هل ما ذكرته عن كمبوديا كاف لتكون نموذجاً بهذه الصورة؟

في تجربة كمبوديا الكثير والكثير، غير أن هناك من لا يلتفت إلى هذه التجربة، علىالرغم من أنها أصبحت أكثر تميزاً أمام المنظمات التربوية الدولية، فوجوه تميزها لا تقف عند حد تأهيل كوادرها المواطنة، أو إشراك الجميع في بناء خطط التطوير. فهناك سر جوهري يستحق الوقوف عنده، وهو أن رؤى التطوير وبرامجه لا تتغير بتغير المسؤول التربوي أو المختص، وهذا هو عامل النجاح الأساس.

إذن البداية في ثبات الرؤى والاحتفاظ بالخطط، بغض النظر عن تغير المسؤولين والمختصين في وطننا العربي؟

الثبات هو الضرورة القصوى، لكن البداية الحقيقية في تغيير طبيعة التخطيط التربوي في البلدان العربية، والنظر بعمق وشمولية في النظم التعليمية، والعمل على إشراك الشركاء على مختلف المستويات وتحت قيادة الدولة، مع استخدام أسلوب المسؤولية والمحاسبة المشتركة، سواء في صياغة السياسات أو تنفيذ الخطط أو عرض النتائج، كل تلك الخطوات تشكل مكونات أساسية للتطوير والإصلاح التعليمي الناجح.

نعيش في عصر العولمة الذي يتميز بالتغير المتسارع، الذي أثر بدوره في الأسلوب الذي كان يتم من خلاله بناء أنظمة التعليم وإدارتها وتمويلها، وهذا ما يشهده العالم الآن، فكيف ترى مثل هذه التأثيرات في بلداننا العربية؟

أرى أن دور الدولة آخذ في التحول، فضلاً عن أن وزارات التربية والتعليم في كثير من الدول هي الأخرى تشهد تحولات، إذ إن المزيد من المسؤوليات، تم منحها وإنزالها للمستويات الإقليمية، ومستويات الحكم المحلي، وللمنظمات غير الحكومية وللقطاع الخاص. ويتزامن مع تلك المظاهر بروز العديد من التحديات في مجال التعليم، فالأزمة الاقتصادية الدولية أدت إلى خفض التمويل الذي كانت توفره المصادر التقليدية عادة، وهذا ما يؤكد أهمية بناء شراكات جديدة بين القطاعين العام والخاص.